الجمعة، 30 مايو، 2008

ضياء رشوان يكتب لمصراوي: الجذور الأعمق لقرار مد حالة الطوارئ

مصراوي - خاص - راحت مصر خلال الأعوام الأخيرة لا تكاد تفيق من صدمة حتى تصيبها أخرى أكثر شدة وعنفاً من سابقاتها.
وآخر الصدمات – ولن تكون الأخيرة على الأرجح – وأكبرها هي موافقة مجلس الشعب على
قرار رئيس الجمهورية بمد تطبيق حالة الطوارئ لعامين آخرين بعد أن كان مقرراً أن تنتهي في 31 مايو 2008 بعد أن تعهد رئيس الوزراء ومجلس الشعب في مارس 2006 بأن يكون ذلك هو المد الأخير لها.
وقد أفاضت أقلام وأصوات كثيرة في نقد هذا المد وتبيين المخاطر التي ينطوي عليها والدوافع التي أدت إلى إقراره، ليس فقط بعد وقوع الواقعة وموافقة مجلس الشعب عليه بل وقبل ذلك بكثير عندما بدا واضحاً من مؤشرات عديدة أن الحكومة عازمة على المضي في هذا الطريق.
وربما يكون من الضروري في التعامل مع هذه الصدمة – الحدث الكبير في التطور السياسي المصري أن يتم وضعه في سياقه التاريخي للتعرف على الجذور الأبعد لهذا التوجه الذي بات من ألصق خصائص النظام السياسي الحالي في مصر.
فتتبع تطور فرض حالة الطوارئ وقبلها الأحكام العرفية في مصر منذ فرضها للمرة الأولى عام 1914 بمناسبة الحرب العالمية الأولى، يضعنا أمام عدة ملاحظات تفضي بنا إلى التعرف على جوهر ما يجري اليوم في بلدنا.
ففي المرحلة الملكية – الليبرالية السابقة على ثورة 23 يوليو 1952 فرضت الطوارئ أربع مرات: الأولى هي المذكورة سابقاً بسبب الحرب العالمية الأولى واستمرت حتى عام 1922، والثانية بمناسبة الحرب العالمية الثانية واستمرت من عام 1939 حتى نهايتها عام 1945، والثالثة بمناسبة حرب فلسطين واستمرت من مايو 1948 حتى أبريل 1950، والأخيرة بمناسبة حريق القاهرة في يناير 1952 وظلت مستمرة حتى قامت ثورة يوليو 1952.
وبذلك نلاحظ أنه في 38 عاماً ما بين أول فرض للطوارئ عام 1914 وحتى ثورة يوليو، استمرت الطوارئ مفروضة لأقل من سبعة عشر عاماً، بينما تحررت منها البلاد لما يزيد عن العقدين.
كما يلاحظ أيضاً أنه في ثلاث مرات فرضت فيها الطوارئ خلال تلك الحقبة كان الأمر يرتبط بنشوب حروب منها حربين عالميتين، بينما ارتبطت الرابعة باضطرابات كبرى وإحراق عاصمة البلاد.
وفي العهد الثوري ظلت الطوارئ مفروضة من قيامه وحتى مايو 1956 عندما تم رفعها، إلا أنها سرعان ما أعيدت ثانية في نوفمبر من نفس العام بسبب العدوان الثلاثي البريطاني – الفرنسي – الإسرائيلي على مصر لتستمر حتى عام 1964، وتم خلال هذه الفترة إصدار قانون الطوارئ رقم 162 عام 1958 الذي لا يزال يطبق حتى اليوم.
وفي مارس 1964 رفعت حالة الطوارئ حتى الخامس من يونيو 1967 حين هاجمتنا إسرائيل ووقعت النكسة القاسية فتم إعادة فرض الطوارئ وجرت في ظلها حرب أكتوبر 1973 المجيدة واستمرت قائمة حتى مايو 1980 حين ألغاها الرئيس الراحل أنور السادات.
وفي نفس يوم اغتيال الرئيس السادات، 6 أكتوبر 1981، أعلنت حالة الطوارئ من جديد لتظل مستمرة حتى اليوم شاملة كل فترة حكم الرئيس حسني مبارك.
ويوضح هذا العرض أن حالة الطوارئ فرضت في عهد الرئيس جمال عبدالناصر بمناسبة حربين ورفعت لنحو أربع سنوات من إجمالي 18 عاماً هي مدة حكمه، وذلك على الرغم من أنه لم يكن نظاماً "ليبرالياً" ولم تكن الديمقراطية السياسية واحدة من أعمدته، وجرت العادة على وصفه بالعهد "الشمولي".
بالمقابل شهد العصر الذي يرى نفسه "ليبرالياً وديمقراطياً" الذي شمل حكمي الرئيسين السادات ومبارك أطول مدة فرضت فيها حالة الطوارئ بالرغم من وقوع حرب واحدة هي حرب أكتوبر 1973 التي أعلن الرئيس السادات وتبعه الرئيس مبارك أنها آخر الحروب والتي انتهي بتوقيع اتفاقية للسلام مع إسرائيل عام 1979.
بهذا التطور السابق عرضه يكون عهد الرئيس مبارك هو الوحيد بين كل من تولوا حكم مصر منذ بداية القرن العشرين الذي استمرت حالة الطوارئ مفروضة خلاله بدون انقطاع ولو ليوم واحد، ويكون العهد المسمي بالليبرالي الذي دشنه الرئيس السادات بتغيير الدستور عام 1971 ثم بتبني سياسة الانفتاح الاقتصادي عام 1974 وبعدها التعددية الحزبية عام 1977 واستمر على نهجه الرئيس مبارك، هو أكثر عهود مصر الملكية أو الجمهورية فرضاً لحالة الطوارئ.
وتبدو هنا المفارقة صارخة، فالادعاءات الليبرالية السياسية لهذا العهد الطويل في مرحلتيه لم تترافق قط مع أي محاولة لإعادة البلاد لحكم القانون الطبيعي بل عرفت إصراراً حتى اليوم على وضعها تحت حالة الطوارئ الاستثنائية.
في نفس هذا الوقت مضى ذلك العهد وبخاصة في السنوات العشر الأخيرة لمرحلة الرئيس مبارك خطوات واسعة ومتسارعة في طريق "الليبرالية الاقتصادية التي تم اختزالها في بيع المؤسسات العامة لرجال الأعمال وتمهيد كل الطرق القانونية والعملية أمامهم لكي يتحولوا إلى طبقة رأسمالية شديدة التوحش.
في ظل هذا التطور وتلك الخصائص للنظام السياسي المصري في مرحلة الرئيس مبارك يبدو واضحاً أن المد الأخير لحالة الطوارئ ليس منفصلاً ولا غريباً عن سياق تاريخي طويل مثل القاعدة المنطقية له.
فقد ولد النظام نفسه ضمن حالة الطوارئ التي أعقبت اغتيال الرئيس السادات، وأتت فترة إرهاب التسعينيات لكي تعطيه مزيداً من الحجج والاقتناع الذاتي بضرورة استمرار الاعتماد عليها، ثم جاءت السنوات العشر الأخيرة التي اختفى فيها الإرهاب وازدادت غربة النظام عن غالبية الناس في مصر بفعل سياساته الاجتماعية والاقتصادية لكي تجعل من حالة الطوارئ الجدار الرئيسي الذي يظن أنه قادر على حمايته من الغضب الشعبي الذي راح يحيط به من كل جانب.
وهنا يبدو التحجج بعدم اكتمال صياغة مشروع قانون مكافحة الإرهاب من جانب قيادات الحكومة والحزب الوطني
لمد حالة الطوارئ عامين آخرين حديثاً خالياً من المنطق ولا ينسجم مع قيام نفس الحكومة والحزب بتعديل 34 مادة رئيسية من الدستور المصري نفسه في فترة تقل عن ثلاثة أشهر بدأت بتقديم الرئيس مبارك اقتراحاته بهذه التعديلات في نهاية ديسمبر 2006 وانتهت بالاستفتاء الشعبي عليها في نهاية مارس 2007.
فكل المعلومات والتصريحات والمؤشرات تؤكد أن مشروع القانون جاهز بالفعل في صياغته النهائية لدى الحكومة منذ شهور طويلة، إلا أنه ظل بالنسبة للنظام السياسي بديلاً ناقصاً وغير كاف للحلول محل حالة الطوارئ التي ظل يرى فيها الوسيلة الأمثل لمواجهة أي تحديات أو مخاطر قد تهدده.
من هنا فلم يكن غريباً أن تعمد الحكومة وحزبها الوطني وأغلبيته في مجلس الشعب إلى مد الطوارئ لعامين كاملين مفتوحين بدورهما لأي مد قادم بحجة الإعداد الجيد لمشروع قانون مكافحة الإرهاب، فالحاجة للطوارئ باتت خلال السنوات والشهور الأخيرة أكثر حيوية للنظام السياسي من أي وقت مضى.
فالجميع في بر مصر بات اليوم يدرك أن العزلة راحت تضيق على النظام السياسي والغضب الجماهيري منه يتصاعد ويتسع يوماً بعد آخر بفعل السياسات التي تضرب بقسوة شرائح اجتماعية إضافية الواجدة تلو الأخرى والمعارضة النخبوية تتعمق وتمتد إلى قطاعات جديدة كل يوم، وبذلك لم يكن هناك مناص من اللجوء إلى الجدار الأخير والوحيد الآمن بالنسبة للنظام السياسي، وهو حالة الطوارئ، التي لم يعد يملك من وسيلة لمواجهة شعبه سواها.
المصدر: مصراوي

ليست هناك تعليقات: