الأربعاء، 9 يوليو، 2008

فساد وحالات انتحار في امتحانات الثانوية العامة في مصر


القاهرة (ا ف ب) - تذرع سعاد احمد حسن الباحة امام المدرسة التي تجري فيها ابنتها امتحان الثانوية العامة التي ادت حتى الان الى انتحار تلميذين واتهامات بالفساد على خلفية تسريب وبيع الامتحانات.
وتنتظر عشرات الامهات امام مدرسة جمال عبد الناصر ان ينتهي ابناؤهن وبناتهن من اداء الامتحان الذي سيحدد جزءا من مستقبلهم اذ يتوقف على نتيجته نوع التخصص الذي سيتمكنون من دراسته في المرحلة الجامعية.
وفي بلد يستشري فيه الفساد ويعيش عشرون بالمئة من سكانه تحت خط الفقر يعتبر التعليم الجامعي خصوصا في كليات الهندسة والطب الحكومية وسيلة لصعود السلم الاجتماعي وكسر الحواجز الطبقية الصلبة.
ويعتبر الامتحان بالغ الاهمية بالنسبة للاهالي الذين يستثمرون جزءا كبيرا من مدخولهم في الدروس الخصوصية بسبب انهيار النظام التعليمي وازدحام الفصول واحباط المدرسين الذين يتلقون اجورا زهيدة ومدارس ينقصها كل شئ.
وينتمي غالبية التلاميذ الذين يمتحنون الثانوية العامة على سنتين الى الطبقات الوسطى والفقيرة. ويستطيع التلاميذ الميسورون الالتحاق بمدارس خاصة تعلم الانجليزية والفرنسية والالمانية.
وبسبب الضغوط التي تصاحب الثانوية العامة انتحر هذا العام تلميذان فقد شنق حسن محمد يسري (16 سنة) نفسه في شقته في القاهرة بعد 24 ساعة من ادائه امتحان الرياضيات. والقت مرهان هاني سالم (18 سنة) نفسها من الدور السادس صباح امتحان مادة الميكانيكا.
وقال مسؤول امني لوكالة فرانس برس ان "الاهالي قالوا للشرطة ان التلميذ والتلميذة تعرضوا لغوط نفسية وعصبية شديدة في الايام السابقة للامتحانات".
وفي حزيران/يونيو تعلن التعبئة في الاسر التي يدخل احد ابنائها امتحان الثانوية.
وامام لجنة الامتحان تذرع سعاد الرصيف المقابل لباب المدرسة ذهابا وايابا بانتظار خروج ابنتها رانيا ولا تكف عن تلاوة الدعوات والابتهالات مع الامهات الاخريات.
ويخرج التلاميذ بعضهم باكيا والبعض الاخر غاضبا ويتجمعون امام المدرسة لمراجعة امتحان الميكانيا. وتخرج رانيا معهم والدموع في عينيها. وتقول ان "الامتحان كارثة كما هي العادة" ثم تدفن وجهها في صدر امها.
وهذا العام كان الضغط على التلاميذ اكثر من كل عام بسبب الصعوبة غير المتوقعة للامتحانات التي جاءت اسئلة بعضها من خارج المناهج الدراسية وتسرب نسخ من اسئلة الامتحان الى الاهالي الاغنياء او اصحاب النفوذ.
وقرر النائب العام عبد المجيد محمود احالة 19 شخصا الى المحاكمة بتهمة المشاركة في تسريب اسئلة امتحانات الثانوية العامة التي يتم وضعها مركزيا ثم توزيعها بعد ذلك على المحافظات المختلفة.
لكن محمود قال انه خلافا لما هو شائع فانه لم يتم تسريب الامتحانات الا في محافظة المنيا (220 كلم جنوب القاهرة). ولم يؤثر ذلك على غالبية الذين ادوا امتحانات الثانوية العامة هذا العام والبالغ عددهم قرابة 800 الف تلميذ.
واثار تسريب الامتحانات قلقا عاما. واجمعت الصحف الحكومية والقومية على ادانة ظاهرة تسريب الامتحانات والمطالبة بمعرفة اسبابها ومداها وهي من المرات النادرة التي تتفق فيها هذه الصحف على شئ. وطالبت الصحف باعادة الامتحان وهو ما ايده اكاديميون ومدرسون.
وقال مصطفي كامل محمد يوسف وهو استاذ في كلية العلوم بجامعة المنصورة ورئيس اللجنة التي وضعت منهج الفيزياء لطلاب الثانوية العامة لصحيفة الاهرام الحكومية ان الامتحان جاء صعبا وتضمن اسئلة من خارج المقرر الدراسي وطالب باجراء تحقيق.
ونتيجة لتصريحات يوسف ومسؤولين اخرين بات هناك اعتقاد شائع بان الحكومة قررت ان تكون الامتحانات صعبة لانها تنتهج سياسة متعمدة لتقليل عدد الطلاب الذين يلتحقون بالجامعات الحكومية. وقالت سعاد بمرارة "لماذا لا يقولون لنا ببساطة ان ابناءنا ليست لديهم فرصة لدخول الجامعة؟" مشيرة الى ان اسرتها لا تستطيع ان تؤمن نفقات الجامعات الخاصة.
وتبلغ هذه النفقات بين خمسة آلاف جنيه للجامعات الصغيرة ومئة الف جنيه (قرابة 18 الف دولار) في العام الدراسي الواحد للجامعات ذات المكانة المتميزة مثل الجامعة الاميركية او الالمانية او البريطانية.
وتشكل الثانوية العامة عبئا ماليا ضخما على الاسر المصرية التي تضطر لدفع اجور دروس خصوصية قد تصل كلفتها الى مئة جنيه يوميا (18 دولار). ويعمل حسين عبد الرحمن (52 عاما) مدرسا في مدرسة حكومية في القاهرة ويبلغ راتبه 400 جنيه (72 دولار) شهريا.
وليتمكن من شراء سيارة سوزوكي مستعملة ومن توفير مستوى معيشة الطبقة المتوسطة لاسرته فهو يعطي دروسا خصوصية لزيادة دخله. ويدفع التلميذ عشرين جنيها عن كل درس (3,7 دولار) ويشترط المدرس ان يشكل التلاميذ مجموعات تضم على الاقل 10 تلاميذ. ويقول "اذا فقدت وظيفتي الان فلن يؤثر ذلك معي فراتبي لا يكفي شيئا".
ونشرت صحيفة المساء الحكومية كاريكاتورا يظهر فيه رجلان يتبادلان الحديث ويقول احدهما ان "عمل الحانوتية (الذين يقومون بدفن الموتى) منتعش هذه الايام فالذين يفلتون من ارتفاع الاسعار سيموتون كمدا بسبب صعوبة امتحانات الثانوية العامة".
وتتارجح مشاعر اهالي تلاميذ الثانوية العامة بين الغضب واليأس. وتقول سعاد وهي من اسرة ريفية ولها ثمانية اشقاء وشقيقات ولكنها تزوجت في السابعة عشر من عمرها وجاءت الى القاهرة انها قررت الاكتفاء بطفلين حتى تتمكن من توفير مستوى معيشة لائق لهما.
وتضيف "لو كنت اعلم ان هذه ستكون حالنا لبقيت في الريف ولانجبت عددا اكبر من الاطفال وزوجت البنات بدلا من تبديد الاموال على تعليمهن".

ليست هناك تعليقات: