السبت، 12 يوليو، 2008

التعصب الديني والكروي..عندما يهرب المواطن من واقعه الصعب

كتب: هاني السيد- تشهد مصر حاليا حالة غريبة من التعصب الشديد ويمكن بسهولة ملاحظتها خاصة فيما يتعلق بكرة القدم من خلال لاعبين واداريين ومشجعين وفيما يتعلق بالاحداث التي تظهر بين الحين والآخر بين المسلمين والمسيحيين.
الحالة الأخيرة تبدو للبعض مظهرا طائفيا يعبر عن أزمة بين عنصري الأمة المصرية لكنها في الواقع ليست الا مظهرا من مظاهر التعصب كذلك هو الحال بالنسبة للكرة التي أصبحت هي الأخري مجالا لاظهار طرفين يتصارعان لللفوز بالبطولات او الحصول هذا اللاعب أو ذاك.
ولا تتوقف مظاهر التعصب علي هاتين الحالتين فقط بل ان التعصب اصبح المزاج العام في كل مكان في مصر: في المنزل بين الزوجين او بين الزوجين وابنائهم، وفي المدرسة،والعمل، والشارع، ووسائل المواصلات، بل حتي في اماكن الترفيه، وفي ملاعب كرة القدم التي قدمتها كمثال.
فكرة التعصب لا شك قد قتلت بحثا وسوف يتهمني الكثيرون بالانغماس في المثالية او عدم الواقعية وربما التخلف عن الواقع ومستجداته اذا نظرت الي الفكرة بنظرة اكثر شمولية واعدت التاكيد علي ما قاله البعض من المفكرين حول المسالة.
لا يمكن النظر الي التعصب بمعزل عن الاوضاع الاقتصادية القائمة باعتبارها السبب الرئيسي لكل مظاهر التعصب، والبعد الاقتصادي فيما اعتقد هو المحرك الاساسي الذي تندفع خلفه اسبابا أخري في حلقات تؤدي في النهاية الي بروز هذه المظاهر.
لا شك ان احساس الفرد بعدم الحصول علي حقوقه الاقتصادية التي تحقق له حياة كريمة تدفعه للتفكير في حقوقه السياسية التي قد لا يفكر فيها اذا كانت اوضاعه الاقتصادية جيدة، وهنا يصبح لدي الفرد شاغلين اساسين هما احساسه بفقدان حقوقه الاقتصادية، والسياسية والمدنية ايضا.
وعندما لا يستطيع الفرد تحقيقهما بوسائل آمنة من خلال حزب يلتفت حوله ويصل به الي السلطة ومن ثم تحقيق مايريد يبحث عن متنفسه سواء بالكتابة او القراءة او مشاهدة اعمال درامية تعبر عن آلامه واحلامه وربما يظن واهما انها تعبر عنه او من خلال حالة جماعية أخري بديلا عن الحزب السياسي مثل الالتفاف حول فريق للكرة.
وهنا تتحول الحاجة من تحقيق اهداف محددة اقتصادية وسياسية الي حالة اخري تشبها في الشكل ولكن لا تحقق اهدافه التي حددها في البداية وربما ليست لها اهدافا من الاساس.
وهنا يصبح الانسان كالطفل الذي يتخيل انه يسبح في الفضاء ويفعل المعجزات، وليس كالراشد الحالم الذي سرعان ما يعود الي ارض الواقع فهذا النموذج من الحالة الطفولية لا يعود بهذا الانسان الي ارض الواقع وربما يكتشفها ويصدقها لكنه يرفض ان يعود الي واقعه مجددا.
وهذا الشعور بالالتفاف حول شيء اكبر من الانسان يتعلق بلا شك بحاجات الانسان المفقودة لديه والتي يرغب ان يحققها بالاستعانة بشيء اكبر يؤمن به ويثق فيه كما انها تتعلق في نفس الوقت بالشعور الفطري بالنقص وطلب المدد والعون لاكمال هذا النقص.
وتاخذ الامور مظهرا سطحيا ولا يدرك الانسان اهدافه التي سعي اليها في الاساس بل يكون قد نسيها عندما يتعلق فقط بهذا الجانب الفطري وتظهر عليه مظاهر التدين السطحي دون تحقيق اية نتائج تذكر او يظهر عليه فقط التعلق المفرط بالشيء الكبير الذي يلتف حوله وهنا نصبح امام حالة تعصب شديدة لهذا او ذاك ولا تستطيع ادراك اي مساحة مشتركة بينهما علي الاطلاق.
وكمثال حي علي ذلك نستطيع ان نلحظ الافراط في اظهار علامات التدين من اطلاق اللحي الطويلة او ارتداء الجلابيب او السراويل القصيرة او النقاب بالنسبة للسيدات والخطير هنا ليس ارتداء هذه النوعية من الملابس في حد ذاتها بل انها تتميز بانها تظهر نوعا من الاحتشام بشكل افضل من انواع اخري من الملابس لكن ما انا معني به هنا ان الشخص قد وجد متنفسه واستطاع خلق حالة مشابهة لتلك التي كان يرمي الوصول اليها للحصول علي حقوق اقتصادية وسياسية معينة.
كما انها تعبر غالبا وليس دائما عن مظهرية وسطحية وتفاخر اكثر ما تعبر عن مضمون حقيقي وذلك لرغبة الانسان في تحقيق ذاته المفقودة في واقعه الصعب او المرير من خلال اظهار ورعه وتقواه وانه بهذه الطريقة هو الافضل.
والخطورة تكمن في ان هذا الشخص لا يحب تفسير هذه الحالة لانها تشعره بالاطمئنان بل ويتعصب لها تعصبا شديدا وهذا النوع من التعصب هو اخطر الانواع لانك لن تستطيع مجادلة هذا الشخص نظرا لكونها تتعلق بالدين.
وتنطبق فكرة التعصب ايضا علي غير المسلمين وهنا تظهر خطورة الامر الذي اشرت اليها سابقا اذا تظهر الاحداث وكانها مظهرا طائفيا لعنصري امة يتصارعان ضد بعضهما البعض لكن الواقع انهما ضحية للتعصب الذي اخذ مسارا تدريجيا بدءا من الحاجة الي نيل حقوق اقتصادية وسياسية ومدنية وصولا الي التعصب بكافة اشكاله.
هذا التعصب في الواقع يعبر عن هذه الحاجات المفقودة لدي كلا الطرفين والذين لم يجدا سبيلا للتنفيس عنها الا داخل الكنيسة او المسجد بالبحث عن جاني وضحية فيتهمان بعضهما البعض بل ويقتتلان في بعض الاحيان لاسباب يرونها دينية لكنها ليست كذلك في الواقع.
ويقحم كلا الطرفين انفسهما في صراع ليس لهم فيه ناقة ولا جمل ويصبح صراعهما حول الدين وليس الاسباب الحقيقية التي دفعت هذا الصراع. والنوع الاخر من التعصب تظهر ملامحه ربما بشكل اكبر من الشكل الاول وهو التعصب في ملاعب الكرة الذي اصبح يأخذ شكلا مستفزا ومقززا.
ولا شك ان دعم المؤسسة الكروية من جانب النظام في مصر (واي نظام في دولة تعاني من مشكلات اقتصادية ملحة) هو وسيلة هامة بل الاهم في تخفيف الضغوط والمطالب من جانب المواطنين من خلال الهائهم بالتشجيع ومتابعة الدوريات بل وبالازمات الكروية التي اصبحت تظهر من حين لاخر بشكل ملفت للنظر.
وهنا نلحظ ان التعصب الكروي هو احد مظاهر البحث عن هذا الشيء الكبير الذي يلتف الانسان حوله ويتحول الي حالة من التعصب للتنفيس عن احباطاته وهمومه ويصبح غير مدرك وغير قادر علي توصيف هذه الحالة واذا استطاع لا يفضل العودة الي واقعه مرة اخري واعطاء الامور حجمها الطبيعي بل وربما يقتنع بها استنادا الي اسباب اخري غير حقيقة تماما كنموذجه الجديد الذي هو ايضا غير حقيقي.
وتتعدد اتجاهات هذا التعصب بل ان هناك من يستفيد منه ايضا اذ انه من الطبيعي في ظل وجود ادمان جماعي حول شيء ما أن يصبح هذا الشيء بالتالي سلعة تباع وتشتري وتدر الملايين وهنا بالطبع تظهر قلة قليلة تريد ان تستحوذ علي هذه الاموال من رجال اعمال ولاعبين وادارين واعلاميين.
وقمة جبل الجليد هنا هو ان التعصب اصبح سلعة وكرة القدم كلعبة مثل اي لعبة من المفترض انها تهذب النفس وانها وسيلة للترفيه ولكن في الواقع لا يوجد ما يمنع ان تكون سلعة تدر الملايين ايضا بشروط.
وليست هذه مفارقة فكرة القدم في اوروبا هي التي تصنع الملايين لكن التعصب هنا هو الذي يصنعها كما ان اوروبا لديها مؤسسات تحقق للمواطن كافة حقوقه الاقتصادية والسياسية والمدنية التي يستطيع بعدها ان يستمتع بكرة القدم بل ويتعصب لفريقه.
لكن التعصب في مصر أصبح تعصبا مرضيا وناتج عن غياب هذه الحقوق وبالتالي تصبح الاحاديث المتداولة عن الصفقات التي تدر الملايين في مصر والاهتمام بالازمات المتلاحقة للاعبين ومسئولين امور مستفزة ومقززة للغاية.
و ليس منطقيا بل وليس اخلاقيا ان نجد هذه الصفقات في بلد نصف مواطنيه من الفقراء وكذلك ليس منطقيا هذه التغطية الاعلامية التي تركز علي جانب واحد من جوانب الحياة يفترض انه مكمل لما تحقق من انجازات علي كافة الاصعدة الاساسية بل واصبحت هناك برامج متخصصة والتي معها كثرت الاحاديث وبالتالي كثرت الدسائس واذداد التعصب والازمات معا.
وبغض النظر عن اختلاق هذه الازمات الكروية لكن بلا شك انه كلما زاد التعصب -الذي هو نتيجة لاحباطات واسقاطات النفس البشرية- كلما زادت فرص ظهور ازمات جديدة.
ان مظاهر التعصب في مصر اصبحت ملموسة في كل مناحي الحياة لكن التعصب في ساحات كرة القدم والتعصب الديني لا شك انهما الاخطر علي الاطلاق.

ليست هناك تعليقات: