الجمعة، 25 يوليو، 2008

يد الحكومة بقلم د.عمرو الشوبكى

الشعب المصري له موقف خاص من الحكومة، فيه مزيج من الخوف وعدم الود وفقدان الثقة، ويردد عادة كثيرًا من الأمثلة المعبرة عن هذا الموقف من نوع «الحكومة يدها طايلة»، و«من تزوج أمي أقول له يا عمي»، وطبَّقتها بطانة الدولة بهمة ونشاط، فنافقت كل حاكم في السلطة، وأهالت عليه التراب حين تركها.
وظلت هذه العلاقة يحكمها «الابتكار» في كيفية إقناع المسؤول بأنه أعظم شخص علي وجه الأرض، ولكن في الغرف المغلقة يتعرض لكل ما لا يحب أن يسمعه من هجوم وانتقادات تصل إلي حد السباب، وأيضا إلي مؤامرات صغيرة من أجل خلق عالم غير مرئي يتجاوز الولاء للمظهر أي «للباشا المسؤول»، ليصل إلي اختراع وسائل متنوعة من أجل عدم العمل وخداع المسؤول «تلبيسه العمة» بالشكليات التي تخفي أي جوهر.
والمؤكد أن هذه الصورة النمطية سائدة داخل المؤسسات الحكومية ووسط بيروقراطية الدولة، ولكنها عرفت في السنوات الأخيرة بعض الاهتزاز، سواء علي مستوي الشعب أو الحكومة، فتجرأ المصريون علي حكامهم، وظهرت نخب شبابية جديدة حصلت علي قدر من المال والسطوة من دون الاعتماد علي الدولة، وأخري تمردت بالكامل عليها وتظاهرت ضدها في احتجاجات اجتماعيه شبه يومية، وعبر عالمها الافتراضي من خلال شبكات الإنترنت.
أما الحكومة، فقد تغير وضعها أيضا، وامتدت «يدها الطايلة» لتُفشل تقريبا أي مجال تدخل فيه، فقد اعتاد المصريون أن يروها حين يتعلق الأمر بسطوتها الأمنية أو هيبتها، وكان ذلك معروفا طوال عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، حين كان للحكومة وجه أمني سلبي، وآخر إيجابي يتعلق بالأداء والنزاهة والتجانس في صنع القرار.
أما الآن فقد انطلقت هذه اليد لتطال جوانب غير مسبوقة في تاريخ مصر، فلم تعد مقصورة فقط علي الجانب الأمني كما هي العادة، إنما أصبحت مسؤولة عن كثير من مظاهر الفوضي والعشوائية والفساد، وصار تدخلها في شارع أو جامعة أو مؤسسة عامة أو حتي في قانون (حتي لو كان قانون المرور) سلبيا بل كارثيا في معظم الأحيان.
فيد الحكومة الطايلة أصبحت معنا في كل شيء فرجال الحكومة تجدهم في الميادين والشوارع يضعون نظامًا لـ «الإتاوات» علي سائقي «الميكروباص»، في مشهد مألوف، يعكس حجم الصداقة بين الشرطة والشعب، فأيادي السائقين ممتدة في جيوب الركاب، وأيادي الحكومة ممتدة في جيوب السائقين، والمواطن الحقيقي مغلوب علي أمره بين الاثنين.
كم مرة توقع الناس خيرا إذا قرر أحدهم الذهاب إلي قسم الشرطة؟ فالرد الطبيعي «إيه عليك بـ (س) و(ج)»، لأنك لن تأخذ حقك، وستدخل في متاهة وقضية ستحسم بعد سنوات، وكم واحدًا منا تفاءل إذا دخلت الحكومة وقررت إصلاح أي شيء، أو أعلنت عن قانون ما؟
فالتعديل الدستوري الذي سمي- في عرف الحكومة- إصلاحًا كان ردة حقيقية في مسار التطور والإصلاح الديمقراطي، والقانون «المسخرة» الذي يسمي قانون المرور الجديد الذي يجبر السائقين علي وضع حقيبة صغيرة للإسعافات «البلهاء» (ميكركروم وأسبرين وشاش) للوقاية من حوادث القتل المنظم علي الطرقات- هو جريمة أخري، لأنه يحول الدولة إلي جهاز جباية هدفه «بيع الشنطة»، التي يمكن أن تسعف طفلا يسقط من علي دراجته، وليس مصابا اصطدمت سيارته بشاحنة بدون ضوء أو تحمل أسياخ حديد «مدلدلة» لمترين خارجها، أو مقطورة مفككة، كتلك التي ابتلي بها قطار مطروح المنكوب، أو السيارات التي تسير عكس الاتجاه في الطرق السريعة، كل هذه الظواهر هل تحتاج لحقيبة إسعاف أم إلي رجال مرور غير فاسدين يطبقون فقط القانون الموجود حاليا؟!
كل هذه الكوارث لا تعني الحكومة كثيرا، لأنها تخص أرواح المصريين، لكن مايهمها هو أن تطال يدها جيوب الناس فتفرض عليهم حقيبة بلهاء للإسعافات الأولية، وتطلق لمندوبي وأمناء الشرطة حق تحصيل «الإتاوات» من المواطنين تحت مسمي المخالفات.
ويكفي أن نشاهد سلوك هؤلاء في أي شارع، وأي مدينة حتي نكتشف حجم الفساد الذي استشري في صفوفهم، وأن الحكومة اختارت أن تكافئهم بأن أعطت لهم فرصة مساومة الناس علي تحصيل المخالفات.
يد الحكومة «طايلة»، يمكن أن تراها عن قرب، حين تذهب إلي أي مصلحة أو مدرسة أو جامعة حكومية، أما الصحة فيكفي أن نري أعداد المصريين الذين سقطوا ضحايا المبيدات المسرطنة، وفيروس الكبد الوبائي حتي نكتشف مسؤولية تلك «اليد الطايلة» عن الانهيار الذي أصاب صحة الناس.
وإذا تابعت نشاط أي مؤسسة إعلامية حكومية ستعرف حجم الفشل الذي أصابها، وجعلنا عاجزين عن بناء قناة فضائية واحدة قريبة من الجزيرة أو العربية أو أبوظبي، أو صحيفة واحدة تقترب من الشرق الأوسط والحياة، رغم أن وزير الإعلام يتحدث كل يوم عن الريادة المصرية، ولكنها ريادة كانت موجودة منذ نصف قرن، ولم تعد موجودة، ولو بالخطأ، في أي مجال.
ولعل الفارق بين إعلام مصر والسعودية، مثلا، لا يكمن كما يتصور البعض في الإمكانات، إنما لكون النظام غير الديمقراطي في السعودية لديه حكومة ونظام بهما الحد الأدني من الكفاءة ويمتلك مشروعًا سياسيا يدعم دوره الإعلامي الذي تحكمه القواعد المهنية، وفي نفس الوقت يفرض عدم تجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بنقد النظام الملكي.
أما النظام غير الديمقراطي في مصر فتكمن مشكلته الأساسية في أنه لم يعد نظاماً إنما «سلطة» تضم كل المتناقضات السياسية والمالية، ولا يوجد فيه جهاز فاعل إلا عصا الأمن، كما أنه ليس لديه مشروع ولا رؤية ولا حس سياسي، وبالتالي لم يجد إعلامه أي شيء يقدمه إلا التبجيل بحكمة الرئيس وإنجازات الحكومة دون أدني اعتبار لأي قواعد مهنية ظلت موجودة في كثير من النظم غير الديمقراطية ومنها مصر في فترات سابقة.
نعم يد الحكومة الطايلة لم تعد تعني الأمن فقط، إنما صارت ممتدة لتتواطأ علي تسريب امتحانات الثانوية العامة، وإلي الإهمال في المستشفيات، وصار أي شيء تدخل فيه الحكومة يشعر الناس تلقائيا أنه إما من أجل أن «تأخذ فلوسهم»، أو تنغص عليهم حياتهم، وأن البعد عنها دفع الأغنياء نحو خلق التعليم والعلاج الخاص، والأمن والمنتجعات الخاصة،
أما الفقراء فهم بالتأكيد الضحايا الأوائل «ليد الحكومة الطايلة»، فهم ضحاياها في القطارات والعبارات والطرق، وهم الذين لا يجدون رصيفًا واحدا في أي مكان بالقاهرة للسير عليه مثل كل «البني آدميين» في جزر القمر والسنغال، وكينيا، لأن يد الحكومة الطايلة ألغت الأرصفة منذ أكثر من ربع قرن.
نعم يد الحكومة خرّبت أشياء كثيرة، ولكن المفارقة أنه لا يوجد مَنْ يراجعها أو يحاسبها، لأن ببساطة من عينها هو بدوره فوق المحاسبة والمراجعة.

ليست هناك تعليقات: