الأحد، 27 أبريل، 2008

مفهوم مضلل: كما تكونوا يولى عليكم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فإنه في ظل هذا الضياع والتفرق والتشرذم الذي يعيشه المسلمون فقد ظهر بعض من تقلدوا عمامة المشيخة وارتقوا إلى المنابر من الذين غرتهم الحياة الدنيا وانزلقوا في أحابيل الشيطان وراحوا يبررون للحكام الخونة واقعهم الفاسد وظلمهم للناس وعدم تطبيقهم للشرع وذهبوا في ذلك مذهبا عجيبا مبتدعا لم يسبقهم إليه أحد من العلماء المخلصين .فقد رأوا أن العلة ليست في الحكام بل العلة بالمحكومين أي بالمسلمين ، فإن المسلمين حين ظلموا أنفسهم كانت النتيجة الطبيعية أن يحكمهم الظالمون واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة :
أما القرآن فقالوا إن الله تعالى قال : ( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) [ الأنعام :129] وقالوا هذا دليل أن الله يولي على الظالمين ظالمين مثلهم .ولكن هل هذا الفهم صحيح للآية ؟ طبعاً لا .ولفهم معنى الآية الصحيح دعونا نسرد الآية بالاضافة إلى الآية التي قبلها والتي بعدها حتى يتبن لنا الموضوع التي جاءت فيه .قال تعالى: ( وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ {128} وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ {129} يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ {130}) الأنعام
فالآيات تتكلم عن موقف من مواقف الحساب يوم القيامة ويأتي الخطاب للجن ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ ) ومعنى استكثرتم من الإنس أي أضللتم منهم كثيراً كما قال ابن عباس .فالحديث عن شياطين الجن الذين يضلون العباد بالوسوسة والاغواء ، وثم يقول تعالى(وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا .. إلى آخر الآية) فالحديث هنا عن أولياء الشياطين من الكفار الذين اتبعوا خطا الشياطين فكانوا كفارا مثلهم لأنه يقول لهم في الآية (النار مثواكم خالدين فيها ) والخلود في النار لا يكون إلا للكفار .
قال الطبري رحمه الله في تفسيره (8/33) : يعني تعالى ذكره بقوله ويوم يحشرهم جميعا ويوم يحشر هؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام وغيرهم من المشركين مع أوليائهم من الشياطين الذين كانوا يوحون إليهم زخرف القول غرورا ليجادلوا به المؤمنين فيجمعهم جميعا في موقف القيامة .اهـثم تأتي الآية التالية في نفس السياق وهي تتناول قضية تتعلق بصلة الشياطين بالإنس وأنهم عندما اتفقوا على أن يعصوا الله ويكفروا به سبحانه وتعالى جعلهم الله أولياء ونصراء لبعضهم البعض.والولي هو ضد العدو وهو النصير وهو الذي يؤيَد والذي يُتودد إليه ويُتقرب منه والذي يتولى الشيطان فهو الذي يتقرب منه وينصره ويذعن لوسوسته ويتبع ضلاله وكفره .وأما المؤمنون فهم أولياء الله وهو وليهم . قال تعالى : ( اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [ البقرة :257 ] .فليس هناك سوى أولياء الرحمن وهم المؤمنون وأولياء الشيطان وهم الكافرون .كما أن المؤمنين أولياء بعضهم البعض ولا يجوز أن يتولوا غيرهم من الكفار قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [ المائدة: 51] فقد بين الله تعالى أن الكفار هم أولياء بعضهم البعض كما أن المؤمنين أولياء بعضهم البعض ولا يجوز للمسلمين أن يتولوا غيرهم من الكفار وإلا أصبحوا منهم والعياذ بالله .ثم تأتي الآية الثالثة في النفس السياق أيضاً حيث تتناول شياطين الجن وكفار الإنس من أتباعهم والذين شهدوا على أنفسهم في النهاية أنهم كانوا كافرين .هذه الآيات وقد ظهر أنها تتناول مشهد من مشاهد يوم القيامة حيث يحاسب فيه الكفار من الإنس والجن فيحكم عليهم بالعذاب المؤبد بعد أن اعترفوا على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين .وليس في الآيات تناول موضوع ولاية شخص على الآخر بمعنى الحكم وتولي الأمر ، ولو كانت الآية تدل على أن الله يولي الظالمين على بعض بمعنى الحكم لقال تعالى مثلا : وكذلك نولي بعض الظالمين على بعض ولصح الكلام حينئذ ولكن هذا لا يمكن أن يكون لأنه سوف يخرج الآية عن سياقها التي جاءت فيه لأن الآية التي قبلها لا تتكلم عن شياطين تولوا أمر الإنس فأصبحوا حكاما عليهم حتى تأتي الآية التي بعدها لتأكد أن الظالم لا يولى إلا على ظالم .لا اطلاقا وإنما الحديث عن ظالمين من الإنس والجن قد تولوا بعضهم البعض ولم يتولى بعضهم أمر بعض .
من هنا كان الاستدلال بهذه الآية على أن الله يولي حكاما ظلمة على المسلمين لأنهم ظلموا أنفسهم وقصروا في طاعتهم لله خطأ محض واتباع للهوى وبعدا عن لغة العرب التي جاء بها القرآن.
وأما استدلالهم من السنة فبما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه قال : ( كما تكونوا يولى عليكم ). رواه الديلمي والبيهقي .وهذا الحديث ضعيف فقد ضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 1 / 490 ) ونقل عن الحافظ ابن حجر تضعيفه أيضاً لأن في سنده مجاهيل .وقال الألباني معلقا على الحديث : إن الحديث معناه غير صحيح على إطلاقه عندي فقد حدثنا التاريخ تولي رجل صالح عقب أمير غير صالح و الشعب هو هو !فالحديث مع ضعفه مخالف للواقع الذي دل أن صلاح الحاكم أو طلاحه ليس متعلقا بالمحكومين من كونهم صالحين أو طالحين وإنما متعلقاً بالحاكم نفسه ومدى التزامه بشرع الله وتطبيقه على الرعية .كما أن الحاكم قد يفرض على الأمة فرضا وينصب من قبل قوى كافرة على المسلمين قسراً كما هو حال حكام البلاد الإسلامية الآن ، فبأي ذنب نلقي اللوم على المسلمين ونقول لهم إن فساد حكامكم جاء من فسادكم.غير أنه يجب على الأمة الإسلامية أن تدرك أنها يجب عليها محاسبة هؤلاء الحكام والعمل على تغييرهم ومبايعة من يحكمها بالاسلام ، وأنها سوف تكون مقصرة إن لم تفعل ذلك.وبعد هذا ظهر جليا أن الذين يتفوهون بمقولة (كما تكونوا يولى عليكم) خالفوا الشرع والواقع الجلي واتبعوا هوى أسيادهم من الحكام المتسلطين على رقاب المسلمين .فأغضبوا الله وأرضوا الحكام وعملوا على تثبيت عروش هؤلاء الظلمة وألقوا اللوم كل اللوم على الرعية وأفهموا الناس ألا تحاسبوا الحكام ولكن حاسبوا أنفسكم لأن هؤلاء الحكام ما ظلموكم إلا لأنكم ظلمتم أنفسكم .وهكذا برؤوا هؤلاء الحكام من جرائمهم بحق الأمة وثبطوا همم الناس عن العمل لمحاسبتهم وإزالتهم فإنا لله وإنا إليه راجعون على صنيعهم .
ومن الشواهد على خطأ هذه المقولة من التاريخ ، تولي الخليفة العادل عمر بين عبد العزيز الحكم ، والشعب هو هو لم يتغير قبله ، ولا بعده ..
وصلى الله على سيدنا محمد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

هناك 4 تعليقات:

ahmed يقول...

السلام عليكم اخى
مع احترامى لرايك ولكن قول الرسول كما تكونوا يولى عليكم
انا انه صحيح 100 فى الميه لانه يتوافق مع الروايه التى حدثت بين على ابن ابى طالب واحد الرعيه عندما جاءه فقال ما لك لا نراك كمثل ابو بكر وعمر فقال وهو احكم الحاكمين
لاننا كنا رجال هؤلاء اما انتم فرجالنا

فلا اعتقد انه يوجد اصلح من سيدنا على رضى الله عنه وارضاه فما يعنى ذالك والا انه تاكيد للحديث ؟؟؟؟؟؟؟

فالصلاح للشعب اولا اخى الفاضل والتوفيق من عند الله

atef يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة))،

قيل وما الرويبضة يا رسول الله ؟ .. قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» .

atef يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة))،

قيل وما الرويبضة يا رسول الله ؟ .. قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» .

khetaam.ajlouni يقول...

ان الله ياخذ الصالح مع الفاسد لان الله لا يريدها رهبانية (انسان صالح فقط ) كل حسب استطاعته منهج الله يدعوا ان تكون مصلح وليس ان تكون صالحا فقط



ايام عمر بن عبد العزيز رحمه الله لم يكن الفساد الموجود حاليا عندهم بل العكس لمتزل القلوب طاهرة نتكلم على الاكثرية والاقلية العاصية التي لا تؤثر الا على نفسها واما فساد الحكام انذاك انما هي اخطاء وقعوا بها كانوا يجلوا العلماء ويسمعوا كلمتهم حتى ان الحاكم ايام الاوزاعي كان يخاف منه


في ايامنا هذه الشعوب تخلت عن كلمة الحق واتبعت هواها وغرقت بالماديات وبعدت كل البعد عن ذكر الله الا من رحم ربي