الأربعاء، 1 أبريل، 2009

د.نبيل فاروق يكتب لمصراوي.. بكرة أحلى من النهاردة




فى عام 1798، أدرك (نابليون بونابرت) أن مصر دولة مهمة بالنسبة لكل من يرغب فى السيطرة على الشرق، لما لها من موقع متوسِّط، يتيح له اتخاذها كقاعدة انطلاق، إلى كل من حولها، لذا فقد وضع عينه عليها، وجَّهز حملة كبيرة، وشد الرحال إلى الهدف..الى (مصر).

وعندما وصل إلى (مصر) بسفنه، وجدها بلداً تحكمه شلل من المماليك، تتنافس فيما بينها، ليس من أجل صالح البلاد، بل من أجل الهيمنة والسيطرة، فيجمع كل مملوك حوله شلة من المنتفعين، يجزل لهم العطايا والثنايا، ويغمرهم بعطفه ورعايته، ويتخذ منهم جيشاً يحميه من المماليك الآخرين ورجالهم، حتى يتاح له الاستيلاء على اكبر رقعة ممكنة من البلاد.

وحتى يضمن ولاء تلك الفئة من المنتفعين، ترك لهم الحبل على الغارب، يسرقون، وينهبون، ويفترون، ويتجبرون على عباد الله، الذين أنهكهم طبعاً بالضرائب، حتى يجد ما ينفقه على بذخه وأتباعه.

لذا فلم يكن هناك من يدين بالولاء لمملوك واحد.

وهذا ما وجده (نابليون)، عندما وصل إلى (مصر).

وجد بلداً ضعيفاً، هشاً، ضاع فى صراعاته الداخلية، ناسياً أنه قد يأتى من يباغته من الخارج، أو متصِّوراً أن هذا لن يحدث أبداً.

ولقد ذعر المماليك عندما واجهوا حملة (نابليون).

ذعروا لأنهم أضاعوا الوقت فى تنمية نفوذهم وكروشهم، ونسوا تنمية قوتهم والبلاد التى يعيشون ويتجبرون تحت ظلها، وذعروا أكثر لأن (نابليون) أتى إليهم بسلاح لم يسمعوا عنه من قبل.. المدافع.

كان أخر ما يعرفون أو سمعوا عنه هو البنادق، التى يتم حشوها فى الفوهة بالبرود، والتى تحتاج من الرامى الماهر إلى دقيقة على الأقل لإعادة تلقيمها وإطلاقها.

وهكذا، ومع غياب حب الشعب للمماليك، والفساد الذى تعيش فيه البلاد فى ظلهم، ربح (نابليون) معركته، ودخل (مصر)، ورفع علم (فرنسا) عليها، وهو علم للمفارقة المضحكة، كانوا يشيرون به إلى الحرية والإخاء والمساواة حينذاك.

حرية ومساواة وإخاء ... واحتلال.

المهم أن المماليك الغضنفرات هربوا أيامها كالأرانب إلى صعيد (مصر)، واختبأوا فيه، وتركوا الحبل على الغارب لـ(نابليون) وحملته، مما أتاح له السيطرة الكاملة على (مصر).

ولا نستطيع أن نقول إن حملة (نابليون) كانت سيئة مائة فى المائة، فالواقع أنه كانت لها الكثير من الجوانب الإيجابية، كما يدرس طلاب المرحلة الثانوية فى كتب التاريخ.

يكفى أنها خلصت البلاد (مؤقتاً) من الممالك، وأدخلت المدافع، والطباعة، ونظم تسجيل المواليد والوفيات، والأراضى والعقارات، والمحال والمنشآت، ومنحت كل شخص وثيقة ملكية، تمنحه حقاً قانونياً ثابتاً فيما يمتلك، ولا تسمح لأحد باستيلاء علبه فى سهولة.

والأهم أنها أعادت إلى المصريين روح الانتماء لوطنهم، وحمية الدفاع غن أراضيه، فشهدت مصر أيامها مقاومة رهيبة للمحتل الفرنسى، أرهقته، وقطعت أنفاسه، حتى لم يعد يتحمل البقاء.

أضف إلى هذا أن المشكلات راحت تحيط بـ(نابليون) نفسه فى (فرنسا)، مما اضطره للرحيل، تاركاً قيادة الحملة للجنرال (كليبر)، الذى أغتاله الشاب (سليمان الحلبى)، ثم جاء من بعده الجنرال (مينو)، الذى انهار بسرعة تحت ضغط المقاومة، فرحل مع سفنه وجنوده، منهياً الحملة فى عام 1801م.

وعلى الرغم من أن خروج المحتل أمر عظيم، إلا أن خروج الحملة الفرنسية من (مصر) ترك وراءه كارثة.

المماليك فروا إلى الصعيد، ولا توجد حكومة شرعية للبلاد، ولا حكم يلتف حوله الناس، ولا ضابط ولا رابط، فانتشرت عمليات السلب والنهب، ولم يأمن الناس على أملاكهم أو أعراضهم.

وهنا، ظهر زعيم.

لم يكن مصرى الأصل، وإنما ألبانى، جاء من (ألبانيا)، واستوطن البلاد، وعشقها، وحلم بنمّوها وازدهارها، وقاتل مع شعبها، وقاوم معهم وبهم الفساد والسلب والنهب.

وكان من الطبيعى، والحال هكذا، أن يرفعه الناس إلى القمة، وأن ينادوا به والياً على البلاد عام 1805م.

هذا الزعيم هو (محمد على باشا)، الذى ظلمته ثورة يوليو، وأهالت على تاريخه أطناناً من الغبار، جاء التاريخ نفسه ليزيلها، ويعترف به كمؤسس لـ(مصر) الحديثة، بلا منازع.

ولقد جاء (محمد على)، ليجد البلاد فى حالة فوضى عارمة... الكل فاسد، مرتشى، جبار، داعر.

وكان لابد له من وقفة قوية... كان شعب (مصر) أيامها يشعر باليأس، وبأنه لا أمل فى إصلاح الحال، الذى بدا أصعب من المحال، وكانوا واثقين فى أن الأمور ستمضى حتماً من سيئ إلى أسوأ، وخاصة مع تردى الأحوال الاقتصادية، وانتشار الفقر، وما يتبعه من فساد رهيب.

ولكن (محمد على) كان يختلف معهم.. كانت لديه فقط رؤية... رؤية شديدة التفاؤل بالمستقبل، وإيمان عارم بأنه لا تقدّم أو نمو مع روح اليأس، ولا مع الإحساس بأنه لا أمل... بل لابد من الإيمان بمبد أهم جداً... مبدأ يؤكدِّ أن بكرة، هو حتما أحسن من النهاردة.

وبدأ (محمد على) عملية إعادة بناء (مصر)... استغل أساليب التسجيل، التى تركها الفرنسيون، وبدأ فى وضع نظام إدارى كامل ومتكامل للبلاد، حتى يمكنه تنظيمها لإعادة البناء.. ولم يكن ذلك سهلاً بالتأكيد.

روح اليأس كانت منتشرة بين الناس، والمماليك شعروا بالأمان، بعد رحيل الفرنسيين، فعادوا من الصعيد يطالبون بأملاكهم وسلطانهم القديمة، ولم يرق لهم بالطبع أنه هناك وال شرعى يحكم البلاد، التى طالما حكموها بالحديد والنار والفساد والرشوة.

وبدأت حرب جديدة.

حرب خفية غير معلنة، يبنى (محمد على)، وكافة المماليك.. ولكن الشعب كان قد بدأ يستشعر بوادر الأمل... بدا يستشعر أن بكرة قد يكون بالفعل أفضل من النهاردة.

ووقف الشعب إلى جوار (محمد على).. وضد المماليك.. ولكن إصرار المماليك على استعادة سيادتهم ونفوذهم، غضبهم من عدم تقبُّل (محمد على) لنفاقهم ورياءهم، جعلهم يزدادون شراسة فى حربهم، وقوة فى عنفهم.

وفى عام 1811م، لم يجد (محمد على) أمامه من سبيل لإصلاح البلاد، إلا بالتخلُّص نهائياً من المماليك ومشكلاتهم التى لا تنتهى.

وفى قلعته، دعا (محمد على) كافة المماليك لحفل عشاء، واتخم بطونهم بالطعام، ثم انسحب، وامر جنوده بإطلاق المدافع عليهم لكى تحصدهم حصداً، فيما عرف باسم (مذبحة القلعة).

وكما قلنا عن حملة (نابليون)، نعيد القول عن مذبحة القلعة.

ففى التاريخ، لم يوجد حدث شديد القتامة، ولا أخر شديد العظمة.

صحيح أن مذبحة القلعة كانت عملاً ينطوى على الغدر، ولكنه خلَّص البلاد من أكبر عقبة فى تاريخ نموّها وتقدمها، وافنى المماليك عن بكرة أبيهم، فيما عدا واحد منهم فقط، قفز بجواده من أسوار القلعة، فنجا من الموت، وفرَّ كالعادة إلى الصعيد.

وهنا أصبحت البلاد كلها تحت حكم (محمد على) بلا منازع.. وبدأ عملية الإصلاح، التى طالما حلم بها.

اختار جنرالا فرنسيا، أسلم وتخلَّف عن الحملة، وأطلق على نفسه أسم (سليمان الفرنساوى)، فمنحه رتبة باشا، وأوكل إليه إقامة جيش قوى، ثم شرع فى بناء واحد من أكبر الأساطيل البحرية فى المنطقة، وربما فى العالم حينذاك.

ولأنه يدرك أن أسباب القوة تبدأ بالعلم والسلاح، فقد راح يرسل البعثات الدراسية إلى (اوروبا)، ويشجع الصناع المهرة على الإنتاج، ويبيع إنتاجهم المتميز لمن حولنا من دول، وحتى لدول (أوروبا).

ونما الاقتصاد المصرى.

وعظمت قوة (مصر) العلمية والاقتصادية والعسكرية.

واكتشف الناس أن الأمر حقيقة وأن بكرة بالفعل أحسن من النهاردة.

(مصر) تحوَّلت فى غضون سنوات قليلة من دولة ضعيفة هشة يحكمها نظام فاسد مستبد من صالحه أن يبقيها فى فقر وجهل ومرض إلى دولة قوبة ذات سيادة، يخشاها الصديق قبل العدو.

دولة كادت تتحول إلى إمبراطورية عظمى، من الشرق إلى الغرب لولا ان تأزرت عليها دول العالم الكبرى آنذاك، انجلترا وفرنسا وتركيا، واجبرتها على التراجع إلى حدودها.

ولكنها ظلت أيامها دولة قوية .

وهكذا فليس الأمر تفاؤلاً شخصيا، ولا عبارة يراد بها تهدئة النفوس ولا حتى خيال متفائل.

هذا ما يقوله التاريخ ويؤكده.

ان بكرة بالفعل .. احسن من النهاردة.
Source: http://www.masrawy.com/News/Egypt/Politics/2009/february/18/tomorrow-today.aspx

ليست هناك تعليقات: