الثلاثاء، 16 ديسمبر، 2008

فهمى هويدى: أين عقولنا الكبيرة؟!

أين توجد العقول الكبيرة في مصر، ولماذا لا نري لها حضوراً في رسم السياسات وصنع القرارات التي تهم مستقبل البلد؟ هذا السؤال الكبير بشقيه يلح عليَّ منذ سمعت الرئيس الأمريكي المنتخب «باراك أوباما» وهو يقول في خطبة أخيرة له: إن الولايات المتحدة لكي تجتاز الأزمة التي زلزلت أركانها الاقتصادية يجب أن تجند لهذه المهمة أكبر العقول لديها. أكبرت في الرجل إعلانه عن أنه بحاجة إلي عون وهمة أكبر العقول، وأنه لن يستطيع وحده أن يتصدي للأزمة التي تواجهها بلاده وربما بدا ذلك أمراً عادياً في الولايات المتحدة التي يعرف دارسوها جيداً إلي أي مدي هم متفوقون في فن الإدارة، وكيف أن الاستعانة بأكبر الخبراء في أي مجال يواجه مشكلة هي دأب الذين يأخذون الأمور علي محمل الجد، وهم في المقدمة منهم، ولكن الأمر ليس كذلك في بلادنا كما نعلم، فرئيس البلاد هو ليس الحاكم الأوحد فقط، ولكنه الحكيم الأوحد أيضاً، ولأنه كذلك فإن مصطلح «أكبر الخبراء» يثير حساسيته، لأن فيه شبهة الشك في تفرده بذروة المعرفة والحكمة.. في ذات الوقت فإن العقول الكبيرة لا يعترف بها استناداً إلي موهبتها وعطائها، لأن الولاء والثقة مقدمان علي العلم والخبرة، وهذا الاعتراف لا يشهر ويكتسب الشرعية إلا إذا أجازته المقامات العليا وشملته بالرضا والعطف، وما لم يحدث ذلك فإن الكبير مهما علا مقامه سيظل فاقداً للشرعية رسمياً وقابعاً في الظل، لا يسمع له صوت ولا تري له صورة.إننا إذا خرجنا من دائرة التوصيف والتنظير، وحاولنا أن نرصد الواقع في مصر، فقد تساعدنا علي ذلك إجابة السؤال الذي بدأت به الكلام، ذلك أننا إذا تطلعنا في الواجهات المحيطة بنا، فسنجد أن بعضاً من أصحاب تلك العقول الكبيرة هجروا البلد واختاروا أن يستثمروا طاقاتهم وكفاءاتهم العلمية في بيئات أخري قدرتهم وشجعتهم وكافأتهم، البعض الآخر سنجدهم يحاولون جاهدين أن يفعلوا شيئاً في داخل البلد، ولكنهم يؤدون عملهم كأفراد يتحركون في دوائر ضيقة ومحدودة في مشاريع خاصة غالباً، لا يعلم بأمرها إلا أهل الاختصاص ولا يأبه بها أولو الأمر، هناك فئة أخري من الكبار قبعوا في الظل واعتزلوا الحياة تعففاً واستعلاء فوق طرق الأبواب؛ وآثروا أن يقضوا بقية أعمارهم في هدوء وسكينة. تحت شريحة رابعة ألحق أفرادها بالمجالس القومية المتخصصة التي تحولت إلي فرق عمل سرية تجتمع وتنفض ولا أحد يعرف بالضبط ماذا تفعل ولا أين يذهب ما تفعله، هناك فئة خامسة يملك أفرادها العلم والحماس والغيرة، لكنهم بعد أن بحت أصواتهم ولم يجدوا لكلامهم صدي، اقتنعوا بأنهم يؤذنون في مالطة، فدب اليأس في نفوسهم وآثروا أن يحتفظوا بكرامتهم وكبريائهم وجلسوا في بيوتهم يتفرجون.أدري أن هناك عقولاً تشارك في اللجان الوزارية وأخري جري حشدها في لجنة السياسات، لكن ثمار جهودهم لا تقنعنا بأن هؤلاء هم أكبر العقول في مصر، ولا أستبعد أن يكون بينهم بعض الكفاءات، لكن كفاءاتهم تظل عند حدود معينة لا تتجاوزها؛ أولاً: لأن اختيارهم قدمت فيه الثقة علي الخبرة، وثانياً: لأنهم يتحركون في حدود ما هو مرحلي وتنفيذي، ولا شأن لهم بما هو استراتيجي، ولا تسألني من فضلك عن الاستراتيجيات، ليس فقط لأنني لا أعرف بالضبط أين ترسم، ولا أريد أن أجازف بالتخمين، ثم إنني في بعض الحالات لا أعرف إن كانت هناك استراتيجيات أم لا.لكي أقرب الصورة فإنني أذكر بالمقولة التي يرددها بعض الخبراء الأمريكيين، وخلاصتها أن القادة من الطراز الأول يلجأون إلي أعوان من الطراز الأول، أما القادة من الطراز الثاني فإنهم يلجأون إلي أعوان من الطراز الثاني أو الثالث، بمعني أن الكبار يختارون الكبار والصغار يختارون الأصغر، وهي الملاحظة التي قد تفسر لنا لماذا يتراجع دور الكبار في صناعة القرار أو وضع الخطط؟! ولماذا يقدم عليهم في ظروف تاريخية معينة متوسطو الكفاءة والهواة الذين يقفزون إلي الصدارات فجأة، ومن حيث لا يحتسب أحد؟!.إنني أحلم بيوم نري فيه أكبر العقول المصرية وقد أصبح لها دور في صياغة استراتيجية هذا البلد في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والثقافية.. إلخ، وهو حلم يبدو الآن بعيد المنال، وليس هناك في الأفق ما يدل علي إمكانية تحقيقه في الأجل المنظور، للسبب الذي ذكرته تواً، وهو أننا بحاجة أولاً إلي قادة من الطراز الأول، وتلك ــ لعمري ــ أم المشاكل وأكثرها استعصاء.

ليست هناك تعليقات: