الأربعاء، 9 يوليو 2008

فساد وحالات انتحار في امتحانات الثانوية العامة في مصر


القاهرة (ا ف ب) - تذرع سعاد احمد حسن الباحة امام المدرسة التي تجري فيها ابنتها امتحان الثانوية العامة التي ادت حتى الان الى انتحار تلميذين واتهامات بالفساد على خلفية تسريب وبيع الامتحانات.
وتنتظر عشرات الامهات امام مدرسة جمال عبد الناصر ان ينتهي ابناؤهن وبناتهن من اداء الامتحان الذي سيحدد جزءا من مستقبلهم اذ يتوقف على نتيجته نوع التخصص الذي سيتمكنون من دراسته في المرحلة الجامعية.
وفي بلد يستشري فيه الفساد ويعيش عشرون بالمئة من سكانه تحت خط الفقر يعتبر التعليم الجامعي خصوصا في كليات الهندسة والطب الحكومية وسيلة لصعود السلم الاجتماعي وكسر الحواجز الطبقية الصلبة.
ويعتبر الامتحان بالغ الاهمية بالنسبة للاهالي الذين يستثمرون جزءا كبيرا من مدخولهم في الدروس الخصوصية بسبب انهيار النظام التعليمي وازدحام الفصول واحباط المدرسين الذين يتلقون اجورا زهيدة ومدارس ينقصها كل شئ.
وينتمي غالبية التلاميذ الذين يمتحنون الثانوية العامة على سنتين الى الطبقات الوسطى والفقيرة. ويستطيع التلاميذ الميسورون الالتحاق بمدارس خاصة تعلم الانجليزية والفرنسية والالمانية.
وبسبب الضغوط التي تصاحب الثانوية العامة انتحر هذا العام تلميذان فقد شنق حسن محمد يسري (16 سنة) نفسه في شقته في القاهرة بعد 24 ساعة من ادائه امتحان الرياضيات. والقت مرهان هاني سالم (18 سنة) نفسها من الدور السادس صباح امتحان مادة الميكانيكا.
وقال مسؤول امني لوكالة فرانس برس ان "الاهالي قالوا للشرطة ان التلميذ والتلميذة تعرضوا لغوط نفسية وعصبية شديدة في الايام السابقة للامتحانات".
وفي حزيران/يونيو تعلن التعبئة في الاسر التي يدخل احد ابنائها امتحان الثانوية.
وامام لجنة الامتحان تذرع سعاد الرصيف المقابل لباب المدرسة ذهابا وايابا بانتظار خروج ابنتها رانيا ولا تكف عن تلاوة الدعوات والابتهالات مع الامهات الاخريات.
ويخرج التلاميذ بعضهم باكيا والبعض الاخر غاضبا ويتجمعون امام المدرسة لمراجعة امتحان الميكانيا. وتخرج رانيا معهم والدموع في عينيها. وتقول ان "الامتحان كارثة كما هي العادة" ثم تدفن وجهها في صدر امها.
وهذا العام كان الضغط على التلاميذ اكثر من كل عام بسبب الصعوبة غير المتوقعة للامتحانات التي جاءت اسئلة بعضها من خارج المناهج الدراسية وتسرب نسخ من اسئلة الامتحان الى الاهالي الاغنياء او اصحاب النفوذ.
وقرر النائب العام عبد المجيد محمود احالة 19 شخصا الى المحاكمة بتهمة المشاركة في تسريب اسئلة امتحانات الثانوية العامة التي يتم وضعها مركزيا ثم توزيعها بعد ذلك على المحافظات المختلفة.
لكن محمود قال انه خلافا لما هو شائع فانه لم يتم تسريب الامتحانات الا في محافظة المنيا (220 كلم جنوب القاهرة). ولم يؤثر ذلك على غالبية الذين ادوا امتحانات الثانوية العامة هذا العام والبالغ عددهم قرابة 800 الف تلميذ.
واثار تسريب الامتحانات قلقا عاما. واجمعت الصحف الحكومية والقومية على ادانة ظاهرة تسريب الامتحانات والمطالبة بمعرفة اسبابها ومداها وهي من المرات النادرة التي تتفق فيها هذه الصحف على شئ. وطالبت الصحف باعادة الامتحان وهو ما ايده اكاديميون ومدرسون.
وقال مصطفي كامل محمد يوسف وهو استاذ في كلية العلوم بجامعة المنصورة ورئيس اللجنة التي وضعت منهج الفيزياء لطلاب الثانوية العامة لصحيفة الاهرام الحكومية ان الامتحان جاء صعبا وتضمن اسئلة من خارج المقرر الدراسي وطالب باجراء تحقيق.
ونتيجة لتصريحات يوسف ومسؤولين اخرين بات هناك اعتقاد شائع بان الحكومة قررت ان تكون الامتحانات صعبة لانها تنتهج سياسة متعمدة لتقليل عدد الطلاب الذين يلتحقون بالجامعات الحكومية. وقالت سعاد بمرارة "لماذا لا يقولون لنا ببساطة ان ابناءنا ليست لديهم فرصة لدخول الجامعة؟" مشيرة الى ان اسرتها لا تستطيع ان تؤمن نفقات الجامعات الخاصة.
وتبلغ هذه النفقات بين خمسة آلاف جنيه للجامعات الصغيرة ومئة الف جنيه (قرابة 18 الف دولار) في العام الدراسي الواحد للجامعات ذات المكانة المتميزة مثل الجامعة الاميركية او الالمانية او البريطانية.
وتشكل الثانوية العامة عبئا ماليا ضخما على الاسر المصرية التي تضطر لدفع اجور دروس خصوصية قد تصل كلفتها الى مئة جنيه يوميا (18 دولار). ويعمل حسين عبد الرحمن (52 عاما) مدرسا في مدرسة حكومية في القاهرة ويبلغ راتبه 400 جنيه (72 دولار) شهريا.
وليتمكن من شراء سيارة سوزوكي مستعملة ومن توفير مستوى معيشة الطبقة المتوسطة لاسرته فهو يعطي دروسا خصوصية لزيادة دخله. ويدفع التلميذ عشرين جنيها عن كل درس (3,7 دولار) ويشترط المدرس ان يشكل التلاميذ مجموعات تضم على الاقل 10 تلاميذ. ويقول "اذا فقدت وظيفتي الان فلن يؤثر ذلك معي فراتبي لا يكفي شيئا".
ونشرت صحيفة المساء الحكومية كاريكاتورا يظهر فيه رجلان يتبادلان الحديث ويقول احدهما ان "عمل الحانوتية (الذين يقومون بدفن الموتى) منتعش هذه الايام فالذين يفلتون من ارتفاع الاسعار سيموتون كمدا بسبب صعوبة امتحانات الثانوية العامة".
وتتارجح مشاعر اهالي تلاميذ الثانوية العامة بين الغضب واليأس. وتقول سعاد وهي من اسرة ريفية ولها ثمانية اشقاء وشقيقات ولكنها تزوجت في السابعة عشر من عمرها وجاءت الى القاهرة انها قررت الاكتفاء بطفلين حتى تتمكن من توفير مستوى معيشة لائق لهما.
وتضيف "لو كنت اعلم ان هذه ستكون حالنا لبقيت في الريف ولانجبت عددا اكبر من الاطفال وزوجت البنات بدلا من تبديد الاموال على تعليمهن".

الدكتور عبد الوهاب المسيرى .. مفكر أزعج الصهاينة

القاهرة-محرر مصراوي-
عن عمر ناهز السبعين عاما .. وبعد معاناة مع مرض عضال ، غيب الموت الخميس الكاتب والأكاديمى المصرى الدكتور عبد الوهاب المسيرى،الذى بدأ حياته دارسا للآداب وأمضى معظم سنوات عمره فى الدراسات الإسرائيلية وكان فى آخر أيام حياته ناشطا سياسيا بارزا انتظم فى صف المعارضة .
ويعد المسيرى من المفكرين الموسوعيين، وامتاز برؤيته التحليلية التى عبر عنها في موسوعته الشهيرة عن "اليهودية والصهيونية"، والتى تجاوز فيها كافة الكتابات "التآمرية" والشعبية الشائعة فى المشهد الثقافى العربى، والتى شكلت وعى الجماهير العربية عنها لأكثر من نصف القرن .
هذا بجانب كتابات أخرى فى نقد الشعر والحداثة، والعلمانية كنموذج معرفى الى جانب تبنيه لما كان يسميه "الخطاب الاسلامى الجديد " .
وصدرت له عدة مؤلفات في موضوع الصراع العربى -الاسرائيلى من أهمها "البروتوكولات" و"اليهودية والصهيونية" عام 2003، "فى الخطاب والمصطلح الصهيونى" .. كما لا يزال تحت الطبع كتابان له، هما (الفكر الصهيوني من هرتزل حتى الوقت الحاضر) ، و(من هم اليهود وما هى اليهودية؟ اسئلة الهوية والازمة الصهيونية).
ويعرض تنوع الميراث الثقافى والأكاديمى للمفكر الراحل عبد الوهاب المسيرى، مسيرة مناضل جاوزت خمسين عاما، قضاها متنقلا بين ميادين العمل السياسى والأدبى، بالكلمة تارة، وبالهتاف والتظاهر تارة اخرى .
والدكتور عبد الوهاب المسيرى أستاذ غير متفرغ بكلية البنات جامعة عين شمس ، ولد في دمنهور عام 1938 حيث تلقى تعليمه الابتدائى والثانوى ..والتحق عام 1955 بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية وعين معيدا فيها عند تخرجه، وسافر إلى الولايات المتحدة عام 1963حيث حصل على درجة الماجستير عام 1964(من جامعة كولومبيا) ثم على درجة الدكتوراة عام 1969 من جامعة( رتجرز ).
وعند عودته إلى مصر قام بالتدريس في جامعة عين شمس وفى عدة جامعات عربية من أهمها جامعة الملك سعود (1983 - 1988)،كما عمل أستاذا زائرا في أكاديمية ناصر العسكرية، وجامعة ماليزيا الإسلامية، وعضو مجلس الخبراء بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام (1970 - 1975)، ومستشارا ثقافيا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك (1975 - 1979).
وهو عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بليسبرج، بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ومستشار التحرير فى عدد من الحوليات التى تصدر في ماليزيا وإيران والولايات المتحدة وانجلترا وفرنسا .
والتحول الأكبر فى حياة المسيرى، كما اعتاد أن يردد الفقيد، هو نزوله الشارع السياسى فى مصر عضوا مؤسسا لحركة "كفاية"، أول حركة معارضة شعبية فى مصر منذ ثورة يوليو 1952، قبل أن يتولى منصب منسقها العام فى يناير 2007.. وتصدى المسيرى فى العامين الماضيين للعديد من قضايا الفساد وانتهاك الحريات، وشارك بوقفات وتظاهرات، رغم مرضه وتقدم سنه، للتضامن مع القضاة والصحفيين .
كما شارك المسيرى فى حملة مصرية للحفاظ على اللغة العربية ، كما تصدى لدعوة اسرائيلية لتدريس اللغة العبرية لغة ثانية فى المدارس المصرية، وغيرها من المعارك الثقافية والوطنية التي اعتاد عليها.
ويعد الدكتور المسيرى قيمة ثقافية عربية وإسلامية كبيرة ، حيث يعد احد المراجع الرئيسية فى الدراسات الصهيونية،وهناك محطات عديدة مرت بها حياة المسيرى، فمن جماعة الإخوان المسلمين التي انضم لها في سني شبابه، إلى الماركسيين الذين لازمهم سنوات ليرصد عن قرب هذا الفكر الجاذب عندئذ، ثم الولع والغرام بالنموذج الغربى الذى ألقاه فى بحر الأدب الغربى ينهل منه سنوات طوالا، قبل أن تحط سفينته رحالها على شاطئ الثقافة الإسلامية لينطلق في تأملاته وتفسيرات لواقع الأمة الإسلامية والحركات السياسية بها.
وبخلاف التحولات الفكرية، تنقل المسيرى بين صنوف العمل الأكاديمى والثقافى ثم السياسى، فبدأ حياته مدرسا بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب حيث تخرج، ثم باحثا فى الأدب الإنجليزي الذي برع فيه وفى ترجمة مؤلفاته.
ومن مؤلفاته فى الأدب الغربى "مختارات من الشعر الرومانتيكي الإنجليزي، النصوص الأساسية وبعض الدراسات التاريخية والنقدية" "الفردوس الأرضى، دراسات وانطباعات عن الحضارة الأميركية" "العالم من منظور غربى" "العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة".
ومن أبرز إنجازات المسيرى موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية والتى إستغرقت منه حوالى ربع قرن ونشرت تحت عنوان "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد" ، وهى مكونة من ثمانية مجلدات عام 1999 .
وبعد أن قضى نحو ربع القرن فى إعداد موسوعته "اليهود واليهودية والصهيونية" كان الدكتور المسيرى يعد موسوعة عنوانها (الصهيونية وإسرائيل) تتناول إسرائيل من الداخل مجتمعا ومؤسسات بهدف تعميق فهم (هذا الكيان الاستيطانى حتى تتحسن كفاءتنا فى المواجهة معه كدولة وظيفية) لا تختلف كثيرا فى رأيه عن دولة المماليك التى نشأت فى منتصف القرن الثالث عشر الميلادى واستمرت 267 عاما.
وكان آخر ما أنتجه المسيرى بيانه الشهير بمناسبة الذكرى الستين للنكبة ، كما حظى مقال له يتوقع فيه (نهاية قريبة) لإسرائيل ربما فى خمسين عاما،باهتمام فكرى وإعلامى كبير .
ونفى مؤلف موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" أن يكون لهذا التوقع علاقة بالتشاؤم أو التفاؤل، مشددا على أنه يقرأ معطيات وحقائق فى سياقها الموضوعى ويستخلص ما يمكن أن تسفر عنه من نتائج.
وقال الدكتور المسيرى فى مقاله(إسرائيل ستسقط فى 50 عاما) إن التشابه بين إسرائيل ودولة المماليك لا يعنى أن تستمر 267 عاما لأن الدورات التاريخية أصبحت الآن أكثر سرعة مما مضى".. وأضاف أن "العدو الآن فى حالة تقهقر بعد أن لحقت به هزائم عسكرية متوالية" منذ ستينيات القرن العشرين وحتى حرب صيف 2006 مع حزب الله والتى أثبتت أن إسرائيل يمكن أن "تهزم".
وقال المسيرى إن "الباحثين الإسرائيليين أنفسهم لا ينكرون هذا الخوف حتى أصبحت "كمية الكتابات" فى إسرائيل عن نهاية دولتهم "مملة" وأضاف أن هذا الهاجس لازم مؤسسي إسرائيل ومنهم ديفيد بن جوريون أول رئيس للوزراء الذى ألقى عام 1938 خطابا تضمن أن الجماعات اليهودية فى فلسطين لا تواجه "إرهابا".
وذكر المسيرى أن بن جوريون اشار الى الارهاب- فى خطبته تلك- بأنه مجموعة من العصابات ممولة من الخارج ونحن هنا لا نجابه إرهابا وإنما حربا، وهى حرب قومية أعلنها العرب علينا، هذه مقاومة فعالة من جانب الفلسطينيين لما يعتبرونه اغتصابا لوطنهم من قبل اليهود، فالشعب الذى يحارب ضد اغتصاب أرضه لن ينال منه التعب سريعا".
ورغم التباعد الظاهرى بين التكوين الأكاديمى لعبد الوهاب المسيرى وبين اهتماماته الفكرية فإن انتقاله من دراسة الأدب الإنجليزى والأميركى إلى التخصص في دراسة الصهيونية والجماعات اليهودية في العالم لم يمثل تحولا جذريا فى مساره الفكرى، ذلك أن ميزة مشروعه الأدبى تكمن في أنه ذو طبيعة فكرية بالأساس ولهذا فإن دراسته للأدب لم تكن دراسة فنية للنصوص بقدر ما كانت دراسة إشكاليات فكرية كما تكمن أو تتجلَّى في النصوص.
وأوضح المسيرى أن الطبيعة الوظيفية لإسرائيل تعنى أن (القوى الاستعمارية اصطنعتها وأنشأتها للقيام بوظائف ومهام تترفع عن القيام بها مباشرة هى مشروع استعمارى لا علاقة له باليهودية)..وذهب المسيرى فى مقاله إلى أن (هزيمة إسرائيل فى الحرب مع حزب الله ساهمت فيها المقاومة الفلسطينية التى أتعبت إسرائيل بوسائل رغم بدائيتها لا يوجد لدى إسرائيل وسيلة لصدها).
وأوضح أنه (فى حروب التحرير لا يمكن هزيمة العدو وإنما إرهاقه حتى يسلم بالأمر الواقع)..ويستدل المسيرى بما حدث مع المقاومة فى فيتنام التى (لم تهزم الجيش الأميركي وإنما أرهقته لدرجة اليأس من تحقيق المخططات الأميركية، وهو ما فعله المجاهدون الجزائريون على مدى ثماني سنوات (1954-1962) فى حرب تحرير بلدهم من الاستعمار الفرنسي).
ووصف المسيرى قيام دولة فلسطينية بالصيغة التي تقترحها إسرائيل ودول عربية وأجنبية بأنه أمر "عديم الجدوى" وقال إن (البديل هو قيام دولة متعددة الأديان والهويات) كما حدث فى جنوب أفريقيا.
ومن أشهر مقولات المسيرى "إن الأيديولوجية الصهيونية أخفقت، ولم تعد مرجعية للاسرائيليين ، لأن أحد أهم بنودها كان يقوم على أن فلسطين أرض بلا شعب، فيما ثبت العكس، فهناك شعب ومقاومة، بل ان المقاومة أخذت تحسن نفسها كما وكيفا على مدى السنين، واستمرارها غير الكثير من المعادلات داخل المجتمع الصهيوني، وترك أعمق الآثار فيه..وان الصهيونية ليست حركة يهودية، بل حركة استعمارية استيطانية إحتلالية".
ويذكر المسيرى انه مثل كثير من المفكرين كان ينظر الى الصهيونية النظرة السياسية التحليلية العادية ،لكنه قرأ بعض الكتب من بينها كتب للدكتور اسماعيل راجى الفاروقى عن اليهودية وعن الصهيونية وكتابات جمال حمدان، إلى جانب بداية اهتمامه بالبعد المعرفى أى البعد الكلى والنهائى مما اثر فيه خاصة وانه كما يقول لا يفصل بين الفكر والشعر بمعنى انه دائما يحاول ان يعيش فكره .
والنموذج التحليلى فكرة اساسية بالنسبة للمسيرى ، لأنه - فى رأيه - يربط بين المفاهيم المختلفة وإحدى مزاياه تسهيل الانتقال من مجال تحليلى إلى آخر ؛ من شكل فى الشعر مثلا إلى ظاهرة تاريخية إلى قضية فلسفية ،فالنموذج يربط بينها جميعا،وهذا ماحدث مع المسيرى فهو درس الشعر لكنه درس فكر القرن التاسع عشر وحاول الوصول الى نماذج تحليلية تصلح لدراسة الشعر وتصلح لدراسة الظاهرة الصهيونية ، ولذلك دائما يقول إن اليهودية والصهيونية- فى الموسوعة- هى دراسات حالة ، ولذلك يرى المسيرى أن المجلد الأول هو أهم المجلدات لأنه يعبر عن الرؤية وما الصهيونية واليهودية إلا تطبيقات حالة. حدث نفس الشىء فى قصص الأطفال التى كتبها . ويرى المسيرى انه يجب ان تكون لنا خصوصيتنا العربية الإسلامية ،ويعتقد ان الطريقة الوحيدة لتجاوز التحيز هى التنبه له لأنه لا يمكن ان يرصد الإنسان الواقع كأنه آلة بمعنى انه اذا رأيت حجر يسقط من الدور الثانى وطفل يسقط، السلوك فى كلتا الحالتين مختلف ،ويقول المسيرى : ( حينما أرى الجيش الإسرائيلى يضرب أطفالا ورجالا ونساء ويهدم بيوتا لا يمكن أن أرصد هذه المسألة بطريقة محايدة باردة ولذلك أنا أسقطت كلمة موضوعية وذاتية وبأتحدث عن التفسيرية، الجيش الإسرائيلى بيهدم المنازل فأقدم وجهة نظرى المتحيزة لكنها ذاتها مقدرة تفسيرية، فمثلا نأخذ تعريف الصهيونية.. يقولون فى المراجع الغربية إن الصهيونية هى القومية اليهودية وهى عودة اليهود إلى وطنهم ، سآخذ هذا التعريف وأقول لن أقول إنه متحيز أو غير متحيز وأحاول أن اختبر مقدرته التفسيرية، إن كان الأمر كذلك نفسر اذا وجود مخيمات اللاجئين الفلسطينيين والحروب المستمرة والدعم الامريكى والغربى لهذه الدولة فى هذه الحالة يفتح باب الاجتهاد).
وفى تصور المسيرى أن الصهيونية حركة استيطانية استعمارية إحلالية لا تختلف فى جوهرها عن الجيوب الاستيطانية فى أفريقيا والجزائر وأن نقطة الاختلاف الوحيدة هى أنها تقدم اعتذارايات ودباجات يهودية لتبرير الفعل الاستيطانى،وهذا التعريف يفسر مخيمات اللاجئين ،يفسر المقاومة الفلسطينية ،يفسر الدعم الغربى لهذا الجانب الاستيطانى .
ويرى المسيرى ان الغرب ينظر الى العالمين العربى والاسلامى على انهما مادة استعمالية مجال للبضائع.. للاستثمارات، ولذلك فهم يريدون فتح الحدود للرأسمال وللبضائع لكن لا يفتحون حدودهم للهجرة الإنسانية من بلادنا إلى بلادهم، ومن ثم فان الحقوق المطلقة هى حقوق للإنسان الغربى والإنسان اليهودى جزء من هذا، تماما مثل الاستعمار الغربى الذى كان يتحدث عن نقل الحضارة عن عبء الرجل الأبيض .
ومهمة "عبء الرجل الأبيض " هذه قال بها الاستعمار البريطانى وهذا يندرج في إطار هذه النظرة المادية وما سماه المسيرى بالواحدية المادية التى قال إنها باطلة وإن ما يصلح أساسا لنظرة متكاملة ومتوازنة للعالم هى الثنائية.. الثنائية هى ان العالم دائما مكون من عنصرين يتفاعلان لكنهما لا يمتزجان وبداية هذه الثنائية هي ثنائية الخالق والمخلوق التى لخصت فى الاسلام فى جملة( قاب قوسين أو أدنى ) ان اشرف المخلوقات فى اشرف اللحظات لم يمتزج بالاله ،والاله هو اقرب الينا من حبل الوريد لكنه لايجرى فى عروقنا .
وكتب المسيري العديد من الكتب والدراسات والمشاريع البحثية منها: نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني (القاهرة 1972 ـ بيروت 1979)، موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية: رؤية نقدية (1975)، الفردوس الارضى: دراسات وانطباعات عن الحضارة الاميركية (1979)، الايديولوجية الصهيونية: دراسة حالة فى علم الاجتماع/ المعرفة، مجلدان ( 1981 ـ طبعة ثانية من مجلد واحد 1988م)، الغرب والعالم: تأليف كافين رايلي (ترجمة بالاشتراك) مجلدان (1985)، الجمعيات السرية في العالم: ( 1993)، الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ: رؤية حضارية جديدة ( 1997)، الصهيونية والعنف ( 1998)، و"أزمة الصهيونية" ( 1998).الفلسفة المادية وتفكيك الانسان ،والحداثة وما بعد الحداثة .
وللدكتور المسيري دراسات لغوية وأدبية من أهمها : "اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود،" و" دراسات فى الشعر"، و فى الأدب والفكر، كما صدر له ديوان شعر بعنوان" أغاني الخبرة والحيرة والبراءة: سيرة شعرية." وقد نشر الدكتور المسيري عدة قصص وديوان شعر للأطفال.
وترجمت بعض أعمال المسيري الى الانجليزية والفارسية والتركية والبرتغالية وستصدر هذا العام ترجمة باللغتين الفرنسية والانجليزية لسيرته الذاتية.
وتم اختيار المسيرى العام الماضى منسقا لحركة "كفاية" الاحتجاجية، وفى يناير2007 تولى المسيري منصب المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) التى تأسست في نهاية 2004 .
وحصل المسيري في حياته على كثير من الشهادات كان آخرها جائزة القدس من الاتحاد العام للادباء والكتاب العرب فى شهر يونيو الماضى ،وجائزة رجل العام من هيئة صيادلة مصر وقد لا يعرف الكثيرون أن المسيرى كان شاعرا وكاتبا لقصص الأطفال ونال جائزة سوزان مبارك فى أدب الطفل عام 2003، ومن إسهاماته فى هذا المجال قصص للأطفال مثل "الأميرة والشاعر"، "نور والذئب الشهير بالمكار" و"سندريلا وزينب هانم خاتون" و"أغاني الخبرة والحيرة والبراءة: سيرة شعرية".
وكان المسيرى فى صغره عضوا في جماعة الإخوان المسلمين ثم عضوا فى الحزب الشيوعى لكنه ظل ينظر إلى الأمور بكثير من التجريد، وفى هذا الاطار يقول "تعودت أن أضع جهازى العصبى فى ثلاجة".
وفى كتابه المهم "رحلتي الفكرية فى البذور والجذور والثمار" يعرض المسيرى لسيرته الذاتية عبر المكان والزمان والأفكار،ويحكي المسيرى قصته مع الاسلام والشيوعية منذ شبابه المبكر وتنقله من دمنهور التى نشأ فيها إلى الاسكندرية ومنها إلى نيويورك وأخيرا القاهرة التى استقر فيها.
يقول عن رحلته مع الايمان: ان الايمان لم يولد داخلى إلا من خلال رحلة طويلة وعميقة، إنه إيمان يستند إلى رحلة عقلية طويلة ولذا فانه إيمان عقلي لم تدخل فيه عناصر روحية فهو يستند إلى عجز المقولات المادية عن تفسير الانسان وإلى ضرورة اللجوء إلى مقولات فلسفية أكثر تركيبية ويوضح المسيري انه اكتشف الدين كمقولة تحليلية وليس مجرد جزء من بناء فوقى ليس له أهمية فى حد ذاته .
المصدر: وكالة انباء الشرق الاوسط.

الجمعة، 4 يوليو 2008

«فريدوم هاوس»: مصر دولة غير حرة بسبب قمع المعارضة وتقييد السلطة القضائية


كتب فتحية الدخاخني وهشام علام ٤/٧/٢٠٠٨

قالت منظمة «فريدوم هاوس» الأمريكية إن «مركز مصر تراجع في مجال الحريات بسبب قمع المعارضة والصحفيين، والموافقة علي التعديلات الدستورية، التي تحول دون قدرة السلطة القضائية علي تحقيق التوازن في مواجهة تدخل السلطة التنفيذية»، منتقدة التمييز ضد الأقباط والشيعة والمرأة.
وصنفت المنظمة، في تقريرها السنوي حول الحريات في العالم لعام ٢٠٠٨ الصادر أمس، مصر علي أنها دولة «غير حرة»، وأعطتها درجة ٦ في مستوي الحريات السياسية، و٥ في الحريات المدنية، حيث تعتبر درجة ١عن الدولة الأكثر حرية، ودرجة ٧ عن الأقل حرية.
وقال التقرير إن الرئيس حسني مبارك أعلن حالة الطوارئ عقب توليه الحكم، وإن حكومته «فشلت» في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الشاملة، و«تدهورت» الأوضاع المعيشية والسياسية التي «غذت التمرد الإسلامي» في أوائل التسعينيات.
وقال التقرير إن الحكومة شرعت في الإصلاحات عام ٢٠٠٤، واستغني مبارك عن «الحرس القديم»، وعين حكومة جديدة من التكنوقراط، مشيراً إلي أن «منح جميع الحقائب الاقتصادية الرئيسية للمقربين من جمال مبارك نجل الرئيس، أثار مخاوف من أن تكون هذه التغييرات مجرد أعمال تحضيرية للتوريث».
وقال التقرير إن «النظام الانتخابي في مصر غير ديمقراطي، وعملية انتخاب الرئيس ليست تنافسية».
وأشار التقرير إلي «انتشار الفساد والرشوة في مصر»، حيث «يشكو المستثمرون من الرشوة والواسطة والعقبات البيروقراطية»، مشيراً إلي أن الواسطة «ضرورة للحصول علي أي شيء في البلاد من إيجاد فرص العمل إلي تخليص المعاملات الورقية والحصول علي مقاعد في البرلمان».
وقال التقرير «إن هناك تمييزاً واضحاً ضد المسيحيين في التعيين في القطاع العام، خاصة الأجهزة الأمنية والجيش»، مشيراً إلي وجود «تمييز ضد الشيعة، ومحاولات من قبل الحكومة لاستهداف رموزها».
وأضاف التقرير أن الحرية الأكاديمية محدودة في مصر، حيث «يتم تعيين رؤساء الجامعات من قبل الحكومة».
وأشار التقرير إلي وجود «توتر» بين الحكومة وبدو سيناء، ووجود «تمييز ضد المرأة، رغم أن الدستور ينص علي المساواة بين الجنسين».
وفي سياق متصل أرسلت المنظمة خطاباً لأحمد أبوالغيط، وزير الخارجية، تطالب فيه بتحديد السبب وراء منع مندوبة المنظمة في المنطقة، وفاء بن حاج عمر، من دخول البلاد، واحتجازها أكثر من ١٨ ساعة في مطار القاهرة.
وقالت إحدي المسؤولات عن برنامج المنظمة الإقليمي في المنطقة، سلوي الجنتري، إنها جاءت للقاهرة بصحبة وفاء، وفوجئت بمنع الأمن لوفاء من دخول البلاد وإجبارها علي العودة إلي تونس، مشيرة إلي أنها جاءت إلي القاهرة لعقد ورشة عمل لمجموعة من الشباب كانوا قد سافروا إلي الولايات المتحدة، ضمن برنامج للتبادل الثقافي.

مصـر تودع «عبد الوهـاب المسـيري»

رحل تاركا خلفه آراءه، وأفكاره، ومعاركه، وقبلها جميعاً مؤلفاته التي جعلت منه واحداً من أبرز مفكري عصره. رحل لتصمت ألامه وتكف عن مهاجمة جسده الذي ظل يقاوم حتي الرمق الأخير، رافضاً الإذعان للمرض أو القبول بالأمر الواقع أو رفض التغيير وهو الذي اقتربت سنوات عمره من السبعين، ليضرب المثل لشباب الوطن قبل شيوخه بأن العطاء لا سن محددة لبدايته أو نهايته.
رحل في صمت وبلا ضجيج لا تدري أحزيناً كان، أم قلقاً علي مستقبل وطن، ودعنا دون مهلة من قدر ليري تحقق نبوءته بزوال الصهيونية التي أرخ لها في موسوعة ستظل مخلدة لفكره وعطائه البشري. فوداعاً دكتور عبد الوهاب المسيري.
كتب - هشام عمر عبدالحليم
ودعت مصر بالأمس واحدًا من أبرز مثقفيها، وهو المفكر البارز الدكتور عبدالوهاب المسيري، أستاذ الأدب الإنجليزي ومؤلف موسوعة «اليهود واليهودية»، وذلك في ظل غياب رسمي كامل، وحضور عشرات المثقفين ومئات المشيعين، الذين رافقوا الفقيد إلي مثواه الأخير.
وأقيمت صلاة الجنازة علي روح الفقيد في مسجد رابعة العدوية بمدينة نصر، قبل أن ينتقل المشيعون وجثمان الفقيد إلي مسقط رأسه بمحافظة البحيرة.
وكان لافتا للغاية الغياب الرسمي التام عن الجنازة، وهو ما فسره البعض بأن ذلك يرجع إلي انضمام الفقيد لحركة «كفاية»، غير أن البعض رأي أن علي الدولة أن تكرم العالم والمفكر في شخصية المسيري بغض النظر عن اختلافها معه سياسيا، لاسيما أن حضور مصر «غير الرسمية»، كان واسعا نظرا لقيمة الرجل الكبيرة.
ومن بين المشاركين في التشييع الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، الذي حضر علي الرغم من توعكه صحيا، والداعية عمرو خالد، والروائي يوسف القعيد، ومدير مكتب قناة الجزيرة، حسين عبدالغني، بالإضافة إلي عشرات الشخصيات العامة التي شاركت في تشييع المسيري. وأبدي المشاركون في الجنازة حزنهم علي خسارة الفقيد، وقال المفكر الإسلامي يوسف القرضاوي إن المسيري كان مفكرًا كبيرًا، مضيفا أنه قل من الناس من يعيش للعلم فقط ويقوم بمناقشة قضايا وأخذها علي محمل الجد ويعود بالقضايا إلي جذورها، مشيرًا إلي قيامه بإعداد موسوعة «اليهود واليهودية» بما استلزمته من جهد كبير، وأضاف أن الفقيد تميز برؤيته الخاصة ولم يستطع أحد أن يشتره مؤكدا أن فقدانه خسارة علمية مؤكدة.
وأكد الروائي يوسف القعيد أن هناك العديد من العناصر التي ربطته بالفقيد من بينها أنه «بلدياته» ،لأنهما من البحيرة، كما ربطت بينهما قضية فلسطين، مشيرًا إلي أنها ليست مصادفة أن يلاقي المسيري ربه في مستشفي فلسطين، لأنها القضية التي احتضنها واحتضنته.
وقال إن المسيري عاش طوال عمره فكرة واحدة من زاوية الفكر وليس السياسة، حيث عمل علي تأصيل جميع نواحي القضية الفلسطينية وظاهرة الصهيونية، كما كان شاعرًا وكاتبًا للأطفال، مشيرًا إلي أنه علي الرغم من تنوع مواهبه وممارسته فإنه «كان عارف هو عايز إيه». ومن جانبه، أشار مدير مكتب قناة الجزيرة في القاهرة حسين عبد الغني إلي أن الفقيد تتعدي قيمته كونه مفكرا من بين عشرات، لأنه تميز بإنجازه الموسوعي «اليهود واليهودية»، كما أن له مواهب ودرسات متعددة في الأدب المقارن وكتب الأطفال وبناء اللغة وتحليل العلاقات وحتي النكتة كانت له دراسات فيها.
وأضافة: قيمة المسيري الكبيرة تظهر في أنه ربط بين الفكر والحركة والعمل السياسي المباشر، فلم يدخل في «برج عاجي» ومات وهو منسق لإحدي الحركات التي أثارت حراكا سياسيا كبيرًا في العالم العربي كله، وكان إنسانًا عظيما وقادرًا علي اصطياد المواهب والدفاع عنها، وأعتقد أن أكثر الخاسرين من كانوا يتعاملون معه مباشرة.
أما منسق لجنة الحريات في نقابة الصحفيين محمد عبدالقدوس، فقال إن الفقيد كان عالمًا يقود حركة «كفاية»، علي الرغم من أن المثقفين يعيشون في أبراج عاجية - عادة - لكنه طبق مقولة: أعرف عدوك، وكان الاستثناء من كل المثقفين لأنه «مكنش بيجعحع علي الفاضي».
أما محمود العسقلاني، عضو حركة «مواطنون ضد الغلاء»، فأشار إلي أن الفقيد كان عضوًا في الحركة وكان له دور إيجابي في تبصير الرأي العام بفكرها، لاسيما أن كثيرين انضموا لها فور علمهم بأن المسيري أحد أعضائها، مضيفا أنه كان حريصا علي تواجده في الحركة، وطالبنا بالمزيد من الدفاع عن حقوق المواطنين.
وقال الداعية عمرو خالد لـ«المصري اليوم» إن المسيري مفكر بكل ما لهذا اللفظ من قيمة، وما يمثله من ندرة في العالم العربي، داعيا الله أن يعوضنا عنه، نظرا لقيمته الكبيرة.
وأضاف: الفقيد كان «صاحب فضل» عليه، لأنه قدم نصائح كثيرة له وساعده بمقالاته وناصر جمعية «صنَّاع الحياة»، التابعة له في وقت كانت تتعرض فيه للهجوم الشديد.
حياته .. مسيرة سياسية حافلة
كتبت - نشوي الحوفي
اشتهر الدكتور عبدالوهاب المسيري، علي مدار سنوات عمره، كباحث وعالم ومفكر، إلا أن سنوات عمره الأخيرة وتحديداً منذ عام ٢٠٠٥ شهدت تحولاً في منحي حياته، علي الرغم من آلام المرض التي كانت تشتد عليه بين الحين والآخر، حيث برز كمعارض سياسي ينادي بالتغيير بطريقة سلمية، مؤكداً حاجة مصر والمصريين لهذا التغيير الذي بات حتمياً، شئنا أم أبينا - علي حد قوله.
كانت البداية مع حركة «كفاية» التي كان أحد مؤسسيها مع نخبة من المثقفين والسياسيين، ليشارك من خلالها في العديد من الأحداث التي ألمت بالبلاد منذ ذلك التاريخ، وفي يناير من عام ٢٠٠٧ اختير المسيري من قبل أعضاء الحركة منسقاً عاماً لها بعد انتهاء فترة رئاسة المنسق السابق لها جورج إسحق، يومها صرح المسيري بأن توليه منصب المنسق العام لـ«كفاية» ما هو إلا دليل واضح علي فكر تداول السلطة الذي يجب علي النظام الأخذ به، ومن خلال منصبه هذا شارك المسيري في العديد من الفعاليات التي تحدث فيها عن وجهات نظره التي يتبناها وفي مقدمتها إشكالية الحكم وضرورة التغيير، وتهميش المثقفين، وتلاشي الطبقة المتوسطة.
وفي الوقت الذي كان يري فيه بعض المحللين والمراقبين أن الشعب المصري يرفض التحرك والمطالبة بحقوقه، بعد أن انشغل باللهاث وراء لقمة العيش، كان المسيري يري غير ذلك مدللاً علي رأيه بالقول: «أظن أن مظاهر التغيير طفت علي سطح الأحداث في السنة الماضية التي شهدت حسب تقديرات البعض ٣٠٠ احتجاج واعتصام وإضراب، فهناك (حالة من الفوقان) إن جاز التعبير، الناس مضغوطة والأمور تتدهور يوما بعد يوم، حياة المواطن العادي تحولت إلي بؤس، مما دفع الناس إلي التعبير عن سخطهما بأشكال مختلفة، في الماضي كان المواطن يدخل القسم فـ«يهان»، ويخرج دون أن يفكر في مقاضاة من أهانه، لكن الآن يقاضي الشرطة ويحصل علي أحكام قضائية، ويحتج أمام الأقسام، وهذه حالة مختلفة تؤكد أن الناس نفد صبرهما».
لم يقتصر دور المسيري كسياسي علي التصريحات في الحوارات المختلفة أو من خلال رئاسته حركة كفاية علي مدي الفترة الأخيرة، لكنه امتد إلي المشاركة في جميع فعاليات الحركة، حتي إنه تم توقيفه مرتين.
ولم تقتصر معارك المسيري علي مجال التغيير السياسي، لكنها امتدت لتشمل تقبل الهجوم عليه بعد مطالبته بفصل الدولة عن الدين، وهو ما أطلق عليه «العلمانية الجزئية»، التي أكد عدم تعارضها مع الإسلام.
حزب الوسط ينعي «المسيري» أحد مؤسسيه وكاتب مقدمة برنامجه
كتب - محمد غريب
وصف أبوالعلا ماضي وكيل مؤسسي حزب الوسط «تحت التأسيس» وفاة الدكتور عبدالوهاب المسيري بأنها صدمة كبيرة علي المستويين الشخصي والعام.
وقال ماضي: خسرنا قيمة كبيرة ربطتني بها صداقة وطيدة امتدت عشرين عاماً وهو من أوائل مؤسسي الحزب، وكان ضمن ٢٢ شخصية اجتمعت في شهر رمضان ٢٠٠٣ لتأسيس حركة كفاية.. والحقيقة أن التاريخ قلما يجود بشخص يجمع بين المفكر والناشط السياسي في وزن المسيري.
وأضاف: حزني عليه أكبر من حزني علي والدي، أما عصام سلطان القيادي بحزب الوسط فبدأ كلامه بالقول «المسيري يمثل المجموعة الملهمة للفكرة في هذا الوطن» وأضاف: الفكرة عند المسيري هي مشروع حزب مدني بمرجعية إسلامية وإدماج أبناء الحركات الإسلامية في الحركة السياسية وأيضا فكرة الإسلام الحضاري، وقال «المسيري أحد مؤسسي الوسط وكاتب مقدمة برنامجه وشارك في صياغة أفكاره الأساسية».
وأشار سلطان إلي أن خسارة وفاته لا تعوض، وقال: أهم إبداعاته علي الإطلاق هو تنبؤه بانهيار دولة إسرائيل علي أسس علمية وتاريخية، وتابع: لاشك أن وفاة المسيري ستسعد الكثيرين وأولهم الصهاينة وأصحاب الفكر الرأسمالي المتوحش وأعداء الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
اهتم بدراسة «الصهيونية».. فتوقع «انهيار إسرائيل» بعد ٥٠ عامًا
كتب-خالد عمر عبد الحليم
تنوعت مؤلفات عبدالوهاب المسيري بشكل يوضح طبيعته كمثقف «شامل» لا يقتصر علمه أو إنتاجه الثقافي علي ما درسه وتخصص فيه، وهو الأدب الإنجليزي، بل امتد ليشمل نواحي أخري متعددة.
وتعد موسوعة «اليهود واليهودية» العمل الأشهر للمسيري، إذ وصفها المراقبون بأنها العمل الأول الذي حاول دراسة تاريخ اليهود وثقافتهم بشكل محايد يستبعد التعريفات المنتشرة للظاهرة، والتي تدفع لاتخاذ مواقف إما مؤيدة أو معارضة لليهود، لاسيما أنها تناولت تطور اليهود منذ نشأة الديانة وحتي قيام إسرائيل، وذلك في ٨ مجلدات ضخمة أعطت الموسوعة ثقلا كبيرًا لما تضمه من تحليل علمي للظاهرة اليهودية.
ولم تقتصر مؤلفات المسيري حول «الصهيونية» علي الموسوعة فقط، ولكنها شملت العديد من الكتب التي شكلت إثراء «للمكتبة العربية» ومن بينها «الصهيونية وخيوط العنكبوت»، و«الصهيونية والحضارة الغربية الحديثة»، و«التجانس اليهودي والشخصية اليهودية»، و«انهيار إسرائيل من الداخل» و«مقدمةٌ لدراسة الصراع العربي- الإسرائيلي: جذوره ومساره ومستقبله».
وأكدت مساهمات المسيري الفكرية علي أنه كان مثقفًا حقيقيا، إذ إن غالبيتها تستند إلي مراجع ودراسات مهمة، غير أنه كان «يسبح ضد التيار» بها - حسب الكثير من المثقفين - ليؤكد أنه لم يكن - كآخرين- يستغل الثقافة كتجارة ليتقدم في المجتمع أو ليحقق أهدافا خاصة، بل كان تسعي للوصول إلي الحقيقة بغض النظر عن الثمن الذي يدفعه.
وقدم المسيري العديد من الأفكار في هذا الشأن، إذ رأي أن إسرائيل تحمل عوامل سقوطها من الداخل وقدّر زمن سقوطها بـ٥٠ عامًا، مشيرًا إلي أن ذلك يرجع لما يعانيه المجتمع الإسرائيلي من «تناقضات» يصعب أن يظل في ظلها متماسكا.
ورصد المسيري العديد من الأزمات في إسرائيل في هذا الإطار، أبرزها - حسب دراساته - العنصرية، ولاسيما ضد اليهود الشرقيين والفلاشا، وأزمة الهروب الجماعي من التجنيد في إسرائيل، وأزمة الهوية التي يعانيها أبناء الجيلين الثاني والثالث في إسرائيل، وزيادة معدلات الهجرة العكسية من إسرائيل، وهو ما يعد «تقويضا» من وجهة نظره لأسس بناء «دولة المهاجرين».
بروفايل .. موسوعة الفكر تطوي صفحتها الأخيرة
كتبت ـ نشوي الحوفي
البداية كانت عام ١٩٣٨ بمدينة دمنهور بمحافظة البحيرة لطفل صغير في عائلة ميسورة الحال من عائلات الطبقة الوسطي، إنه المفكر عبد الوهاب المسيري الذي كان منذ الصبا مولعاً بالقراءة والاطلاع علي كل ما تقع عليه يده من كتب، شأنه في ذلك شأن الكثيرين من أبناء جيله، ويكبر الصبي وتزداد علاقته بالقراءة توثقاً فيلتحق بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية في العام ١٩٥٥ دارساً بقسم اللغة الإنجليزية بها، والذي تخرج فيه عام ١٩٥٩ .
كانت الرغبة في المزيد من العلم كالنداهة التي تلح عليه ليرحل معها باحثاً ومستزيداً، فكان الترحال إلي الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع الستينيات، حيث التحق بجامعة كولومبيا ليقضي معظم وقته بين أوراق ومؤلفات مكتبتها ينهل منها، حتي استقر علي موضوع رسالة الماجستير التي حصل عليها في العام ١٩٦٤ وكان بعنوان «الأدب الإنجليزي المقارن»، ويستمر الإبحار في عالم اللغة لينهي رسالة الدكتوراه بعنوان «الأدب الإنجليزي والأمريكي المقارن» وحصل عليها عام ١٩٦٩ من جامعة رتجرز بولاية نيوجيرسي الأمريكية.
وكما كان الترحال رغبة في التعلم دافعاً للسفر، كان الحنين للوطن سبباً في العودة مرة أخري لمصر التي التحق عقب وصوله لأرضها بالعمل بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام عام ١٩٧٠ كرئيس لوحدة الفكر الصهيوني والتي استمر في رئاستها حتي عام ١٩٧٥، حين تركها ليتولي منصب المستشار الثقافي للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدي هيئة الأمم المتحدة بنيويورك في الفترة من عام ١٩٧٥ وحتي عام ١٩٧٩ عاد بعدها مرة أخري لمصر وقام بتدريس الأدب الإنجليزي والمقارن بجامعة عين شمس حتي عام ١٩٨٣، سافر بعدها لتدريس نفس المادة في جامعتي الملك سعود ثم جامعة الكويت ولتطول غربته لعام ١٩٨٨ حين قرر العودة مرة أخري لجامعة عين شمس التي عمل بها كأستاذ غير متفرغ. في العام ١٩٩٣ التحق دكتور عبد الوهاب المسيري بالعمل مستشاراً أكاديمياً للمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، كما اختير لعضوية مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بواشنطن منذ عام ١٩٩٧ وحتي وفاته.
وشغل المفكر عبد الوهاب المسيري الساحة الفكرية العربية والغربية بمؤلفاته الباحثة المنقبة في مجالات عدة، إلا أن أشهر تلك المؤلفات علي الإطلاق كان موسوعته التي حملت عنوان «اليهود واليهودية والصهيونية» وخرجت للمكتبة العربية في ثمانية مجلدات كان قد بدأ العمل بها منذ العام ١٩٧٢ وانتهي منها في العام ١٩٩٩، وقد صنف بعدها كواحد من أبرز المؤرخين العالميين في هذا المجال، حيث قدمت الموسوعة نظرة جديدة بانورامية وموضوعية في ذات الوقت عن الظاهرة الصهيونية في العالم بأسلوب اعتمد علي التحليل العلمي لها، كما قدم للمكتبة العربية عدداً آخر من الكتب من أشهرها «إشكالية التحيز»، «الجمعيات السرية في العالم»، «فكر حركة الاستنارة وتناقضاته»، و«رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر» وهو المؤلف الذي عرض فيه لسيرته الذاتية وقدمه للقارئ في العام ٢٠٠١.
الطريف أن المفكر عبد الوهاب المسيري قدم عدداً من قصص الأطفال حاز عنها علي جائزة سوزان مبارك لأدب الطفل في عامي ٢٠٠٠، و٢٠٠٣ ومن بين هذه القصص «نور والذئب الشهير بالمكار»، و«سندريللا وزينب هانم خاتون»، و«رحلة إلي جزيرة الدويشة»، ولم تكن المكتبة العربية هي وحدها التي استفادت من فكر عبد الوهاب المسيري حيث تُرجمت بعض أعماله إلي الإنجليزية والفارسية والتركية والبرتغالية.
في عام ٢٠٠٥ انضم الكاتب عبد الوهاب المسيري لحركة «كفاية» السياسية المعارضة، وشارك عبر عضويته بها في العديد من الأحداث والندوات التي برر فيها ضرورة التغيير السياسي في مصر. وفي يناير من عام ٢٠٠٧ اختير المسيري منسقاً عاماً للحركة من قبل أعضائها، بعد انتهاء المدة المحددة لمنسقها الأول جورج إسحق.
بدأت علاقة المفكر عبد الوهاب المسيري بالمرض في العام ٢٠٠١ حيث خضع لجراحة في الظهر اكتشف الأطباء خلالها إصابته بسرطان الدم، مما اضطره للخضوع لجلسات علاج بعد الجراحة داوم عليها حتي وفاته، كما سافر إلي الولايات المتحدة في العام الماضي وأجري عملية جراحية أخري لزرع النخاع. وكان الفقيد قد تقدم بطلب لوزارة الصحة المصرية لتحمل نفقات علاجه التي كلفته كل ما يملك منذ بداية رحلته مع المرض، إلا أن طلبه لم يتم الرد عليه، وهو ما دفع بالأمير عبد العزيز بن فهد إلي إعلان تحمله كافة نفقات علاجه سواء داخل مصر أو خارجها.
ويرحل عبد الوهاب المسيري المفكر والعالم والكاتب وقبل كل هذا الإنسان المتواضع الذي ما فتئ يمنح خبرته وتجاربه وإجاباته لكل من يلجأ إليه.
«تجاهلت» الحكومة علاجه.. فداواه أمراء سعوديون بعد مقال في «عكاظ»
كتب - أسامة المهدي
ودعت مصر المفكر الإسلامي الدكتور عبدالوهاب المسيري، بعد رحلة علاج استمرت ٦ سنوات، تجاهلت خلالها الحكومة المصرية العديد من طلبات أصدقائه المقربين من النظام لعلاجه علي نفقة الدولة، بدعوي أن الأمر لايزال محل الدراسة.
ولم تشفع المؤلفات المهمة للمسيري سوي عند الأمير السعودي عبدالعزيز بن فهد، حيث تبرع بعلاجه علي نفقته الشخصية بمبلغ وصل إلي مليوني جنيه، مما أثار أوساط السياسيين والمثقفين في مصر علي الحكومة، بسبب ما وصفوه بـ«المماطلة» و«الجحود» في علاج أكبر مفكري الوطن العربي صاحب موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية.
وكانت «المصري اليوم»، قد التقت المسيري فور عودته من رحلة علاجية من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أوضح قصته مع الحكومة المصرية ومسألة علاجه علي نفقة الدولة.
كانت البداية حين قدم الدكتور عبدالوهاب المسيري طلباً إلي وزارة الصحة عن طريق الدكتور أسامة الباز، المستشار السياسي للرئيس مبارك، بسفره إلي الخارج لإجراء عملية زرع نخاع بسبب تفشي السرطان فيه، لكنه فوجئ بأن الطلب سيدرس أولاً، بعدها ستقرر اللجنة المختصة الموافقة أو لا، واستمرت اللجنة تدرس الطلب حتي عام ٢٠٠٦.
ولم ينقذ المسيري وقتها سوي مقال كتبه الدكتور محمد الحمد، ونشر في صحيفة «عكاظ» السعودية، حيث تحدث فيه عن رفض الحكومة المصرية علاج عبدالوهاب المسيري، وبعدها فوجئ المسيري بمكتب الأمير عبدالعزيز بن فهد يتصل به ليخبره بأن عليه استقلال الطائرة الخاصة بالأمير، لتوصيله إلي الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال علاجه علي نفقته الشخصية، وبعد تردد من المسيري وافق بسبب انتشار المرض في جسده.
اللافت أن المسيري وجد استقبالاً رائعاً في مطار واشنطن من مسؤولي السفارة السعودية هناك، في غياب تام لأي مسؤول سياسي أو دبلوماسي مصري.
ولم ينته اهتمام الأمراء السعوديين بدعم رحلة علاج المسيري، ففي عام ٢٠٠٧ اتصل بالمسيري مكتب الأمير سلطان بن عبدالعزيز، وأكد له أن الأمير سيتحمل تكاليف متابعة رحلة العلاج، وأمام إصرار الأمير سلطان ورجاء الأمير عبدالعزيز، وافق المسيري وسافر مرة أخري إلي أمريكا لمتابعة رحلة علاجه، خاصة أن مرض السرطان يحتاج إلي متابعة مستمرة.
وما زاد علي المسيري مرضه - حسب حواره السابق لـ«المصري اليوم» - هو تجاهل المسؤولين في الحكومة سواء في أمريكا أو في مصر له، مؤكداً أنه لم يتصل به أحد، مما اعتبرها إهانة له ولمكانته العلمية والثقافية، خاصة مع حجم الاستقبال الجماهيري الذي وجده في مطار القاهرة فور وصوله.
ورفض المسيري أي ربط بين رفض الحكومة علاجه علي نفقة الدولة، وتوليه منصب منسق عام لحركة «كفاية»، حيث أوضح في أكثر من لقاء صحفي أن طلبه الحكومة جاء قبل تولي منصب المنسق العام بأكثر من ثلاث سنوات.

الأربعاء، 4 يونيو 2008

فهمى هويدى يكتب: نبذة عن كرامة مجلس الشعب

يستحق منا الدكتور فتحي سرور شكرًا خاصًا لأنه ذكَّرنا بكرامة مجلس الشعب، وطلب أن تعبر الحكومة عن احترامها له، من خلال وجود من يمثلها أثناء مناقشة القوانين التي أحالتها إليه.
صحيح أنه كان غاضبًا ومنفعلاً حين قال ذلك الكلام، وأنه سحبه بعد ذلك وطلب حذفه من المضبطة قائلاً إنه لم يكن انتقادًا رسميًا، ولكنه كان رسالة ودية أراد توصيلها إلي الدكتور مفيد شهاب - وزير الدولة للشئون القانونية - إلا أن ما يهمنا أن الكلمات صدرت عنه ونشرتها الصحف المستقلة علي الملأ.
خلاصة ما جري أن المجلس كان يناقش
قانون المرور يوم السبت الماضي 31/5، وكان الدكتور مفيد شهاب حاضرًا ممثلاً عن الحكومة، لكنه غاب لبعض الوقت، وحين لاحظ الدكتور سرور ذلك، فإنه أبدي استياءه من مناقشة مشروع قانون قدمته الحكومة في غياب ممثلها، وهدد بإلغاء الجلسة لهذا السبب.
وأثناء حديثه دخل الدكتور شهاب إلي القاعة، وسمع جزءًا من كلام الدكتور سرور، فرد عليه قائلاً إنه مريض ولديه اعتبارات صحية تضطره للذهاب إلي دورة المياه، وأن غيابه لا ينبغي أن يفسر بمثابة انتقاص من جانب الحكومة لاحترام المجلس وكرامته. لكن الدكتور سرور قال بدوره إن الوزير غاب لأكثر من ساعة وهي مدة طويلة نسبيًا، وكان عليه أن يصطحب معه أحد معاونيه ليسد الفراغ في حالة غيابه، مضيفًا أنه قال ما قاله غضبًا لكرامة المجلس، وتعبيرًا عن ضرورة احترامه.
لا أستبعد أن يكون الدكتور مفيد شهاب، المعروف عنه أدبه الجم ودماثة خلقه، قد غادر الجلسة لبعض الوقت مطمئنًا إلي موافقة المجلس علي المشروع، لسابق علمه بأن الأغلبية الضامنة للحزب الوطني جاهزة لتمرير أي شيء يأتي من جانب الحكومة، لكنه لم يشأ أن يذكر ذلك، وتعلل بحكاية المرض واضطراره الذهاب إلي دورة المياه والبقاء فيها لأكثر من ساعة، بالتالي فلم يستوقفني رد الدكتور شهاب بقدر ما استوقفتني إشارة الدكتور سرور إلي مقتضيات التعبير من احترام المجلس وحرصه علي الدفاع عن كرامته. ذلك أن تمثيل الحكومة في جلساته مهم لا ريب، وعدم اكتراثها بذلك يعد ماسًا بكرامة المجلس وانتقاصًا من تقديرها لدوره المفترض، إلا أن ذلك يظل اعتبارًا شكليًا بصورة نسبية، أما الاحترام الحقيقي للمجلس والدفاع الجاد عن كرامته فيكون بتمكينه من أداء وظيفته في الرقابة والتشريع.
إن من المفارقات مثلاً أن يناقش المجلس مشروع قانون المرور مادة مادة، في حين يرفض رئيس المجلس مناقشة موضوع تصدير الغاز إلي إسرائيل، وتمسك الحكومة بإخفاء معلومات الصفقة عن أعضائه، رغم خطورة الموضوع من زوايا الاقتصاد والسياسة والأمن القومي.
وتبلغ المفارقة أقصاها حين تعرض علي المجلس اتفاقية لشراء الغاز من الخارج بسعر 4 دولارات تقريبًا، لتوفيره لشركات الاستثمار في الداخل، في حين أن مصر تبيعه إلي إسرائيل بحوالي دولار واحد لكل مليون وحدة حرارية، وليس هذا هو النموذج الوحيد، لأن الحكومة تعاملت مع المجلس في العديد من الملفات المهمة باعتباره مؤسسة مختصة باعتماد قراراتها، وهو ما حدث في تمديد الطوارئ ورفع الأسعار، وما حدث حين رفضت رئاسة المجلس، ومن ورائها الحكومة بطبيعة الحال، مناقشة مصير حصيلة الخصخصة التي قيل إنها 13 أو 14 مليار دولار، كما رفضت إحالة موضوع الرشاوي التي قدمت للنواب إلي الجهاز المركزي للمحاسبات، ثم إنني لا أعرف لماذا لم يدافع الدكتور سرور عن كرامة المجلس، حين أعدت لجنة تقصي الحقائق تقريرها وتوصياتها في موضوع عبَّارة الموت، ثم لم تكترث به الحكومة وضربت به عرض الحائط؟ أما إذا سألتني لماذا لم يغضب الدكتور سرور لكرامة المجلس في كل الحالات السابقة، وتذكرها حين ذهب الدكتور مفيد إلي دورة المياه لمدة ساعة؟ فردي أن كل ما أراده الرجل هو أن يحافظ علي منظر المجلس وصوره علي شاشات التليفزيون، وأن غيرته الحقيقية كانت علي إحكام إخراج الفيلم الديمقراطي.
المصدر: صحيفة الدستور